تم نسخ النص تم نسخ الرابط
الفتاوى – الصفحة الرئيسية فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
العالم
طريقة البحث

الرعاية الصحية وعلاقتها بالآجال

اللجنة الدائمة

الطب
الفتوى رقم ( 3829 )
س: بمطـالعتي لمجلـة الـدعوة العـدد (778) وتـاريخ 22 \ 2 \ 1401هـ، الصحيفة (32) وجد أن الكاتب لما ورد في تلك الصحيفة ذكر جملة: (إنه مما لا شك فيه - كما سبق أن أوضحنا - أنه كلما زادت الرعاية الصحية قل عدد الوفيات وزاد عدد السكان). أقول أمام هذا: إن الرعاية الصحية لها دورها الفعال في صحة الأبدان، ومكافحة بعض الأمراض، إلا أن تلك الرعاية لا دخل لها في الآجال، حيث ذلك في علم الله وتحت تصرفه ومحدودة الآجال كما قال تعالى: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ لذلك رأيت أني وهناك الكثير من أمثالي يرغب في إيضاح ذلك بشكل أوسع، هل للرعاية الصحية دور في تأخير الآجال كما قال الكاتب؟ وإذا كان لا وأن الآية أعلاه تعطي الدليل القاطع من ذلك، ولم تنسخ، فأرجو إيضاح ذلك
ج: مضـت سـنة الله تعـالى في خلقـه أن يـربط المسـببات
بأسبابها، فربط إيجاده النسل بالجماع، وإنباته الزرع ببذر الحبوب بالأرض وسقيها، والإحراق بالنار، والإغراق أو البلل بالماء إلى غير ذلك من الأسباب ومسبباتها، قـال تعـالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ وقال: وَأَنْـزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا وقـال: وَنَـزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ وقال: وَيُنَـزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ فهذه الآيات وأمثالها تضمنت أسبابًا مادية ومسببات معنوية ومادية ربط الله بينهما وجعل الأولى سببًا في الثانية، وكلاهما من خلق الله تعالى وبقضائه وقـدره، وهناك أسباب معنوية رتب الله عليها مسببات مادية ومعنوية، وأنشأها بها، وهـو قـادر على أن
يخلق المسببات بدون أسبابها، لكنه سبحانه جرت سنته أن يخلق هـذه بتلـك، ويوجـدها بهـا، لحكمـة يعلمهـا، قـال تعـالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ وقال عن نبيه هود عليه الصلاة والسلام في دعوتـه لقومـه: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ وقـال عن نبيه نـوح عليه الصلاة والسلام في دعوته قومه: يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وقال تعالى عن رسله عليهم الصلاة والسـلام في دعوتهـم لأممهـم: قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
وقد ذكر سبحانه أن جماعة من المنـافقين قـالوا عن إخوانهم الـذين قتلـوا في غـزوة أحـد: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا فـأمر سـبحانه رسـوله محمـدا صلى الله عليه وسلم أن يقـول لهـم: لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ فبين أن قتل النفس مرهون بسببه، وأن القتيل ميت بأجله لا قبله ولا بدون سبب، وقـد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قـال: من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي . وعلى هذا فللرعاية الصحية دورها الفعـال في صحة الأبدان ومكافحة الأمراض كما قال السائل، لكن بإذن الله وتقديره على ما سبق في علمه تعالى وبجعله تلك الرعايـة سببًا لنتائجها وترتيبه مسبباتها عليها بقضائه وقدره حسبما سبق في علمه تعـالى، فتبين بهذا أن للأسباب دخلاً في مسبباتها من جهة جعل الله لها سببًا،
ومن جهة أمره سبحانه بالأخذ بها رجـاء أن يرتب الله مسبباتها عليها، لا من ذاتها ولا بتأثرها استقلالاً في نتائجها، بل بجعل الله لها مؤثرة، ولو شاء الله أن يسلبها خواصها التي أودعها فيها لفعل، كما وقع في سلبه النار خاصتها، فلـم تحـرق خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، بل كانت بردًا وسلامًا عليه، وفي سلبه خاصة السيولة والإغراق عن ماء البحر حتى مر موسى عليه الصلاة والسلام وقومه بأمن وسلام، ورد تلك الخاصة إليه عند مرور فرعون ومـن معه فـأغرقهم، والمسببات مرهونـة بأسبابها قضـاء وقـدرا، حتى الآجـال طولاً وقصرًا مـع الرعاية والإهمـال على مقتضى ما سبق في علمه تعالى، فقول السائل: (إن الرعاية لا دخل لها في الآجال) ليس بصحيح على وجه الإطلاق، فإن لها دخـلا في ذلك على ما تقدم بيانه. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.