تم نسخ النص تم نسخ الرابط
الفتاوى – الصفحة الرئيسية فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
العالم
طريقة البحث

ما حكم مَن يعمل إمامًا أو مؤذِّنًا في المسجد ثم يتسلَّم نظير ذلك راتبًا من الدولة أو مِن الجهة المسؤولة عن المسجد ، وهو في قلبه ينوي أن هذا الراتب الذي يأخذه هو نظير تفرُّغه لهذه الوظيفة وللدعوة في سبيل الله - تبارك وتعالى - ؛ فهل هذا الأجر حلال طيِّب ؟

الشيخ محمد ناصر الالباني

السائل : السؤال الآن : ما حكم مَن يعمل إمامًا أو مؤذِّنًا في المسجد ثم يستلم نظير ذلك راتبًا من الدولة أو مِن الجهة المسؤولة عن المسجد ، وهو في قلبه ينوي أن هذا الراتب الذي يأخذه هو نظير لتفرُّغه لهذه الوظيفة وللدعوة في سبيل الله - تبارك وتعالى - ؛ فهل هذا الأجر حلال مئة في المئة في نظر الإسلام ؟

الشيخ : هذا جائز بلا شك ، ولكن لا يجوز تسميته أجرًا ، ولَئِن أخَذَه باسم أجر فذلك حرام ، ويكون هذا خطأ منه ؛ لأن هذا الموظف على إمام المسجد أو أذان مسجد أو خطبة مسجد فالدولة حينما تعطيه راتبًا وتقدِّم إليه تعويضًا فلا يصح لهذا الموظف أن يعتبر ذلك أجرًا على عمله ؛ لأن هذا العمل هو طاعةٌ منه لله - عز وجل - ، ولا يجوز للمسلم أن يبتَغِيَ بطاعته لله - عز وجل - أيَّ نوعٍ من أنواع الطاعات إن كان ذلك العمل لا يجوز أن يبتَغِيَ به غير وجه الله - عز وجل - ؛ لأن الله - تعالى - يقول : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ . وهناك أحاديث كثيرة وكثيرة جدًّا في الأمر بالإخلاص لله - عز وجل - في عبادته ، وألَّا يبتغي المسلم مِن وراء ذلك أمرًا من أمور الدنيا ؛ سواء كان مالًا أو كان جاهًا أو سمعةً أو نحو ذلك ؛ لا يجوز بأيِّ وجهٍ من الوجوه أن يبتغي المسلم بعمله الصالح غير وجه الله - تبارك وتعالى - ؛ هذا أمر مقطوع به في الإسلام ، ولا خلاف فيه بين علماء المسلمين والحمد لله .
وعلى ذلك فيجب على هذا الموظف المُومَأ إليه أن يُحسِنَ قصده ونيَّته ، وذلك يتطلَّب أن يستحضر هذا العلم الذي نتحدَّث عنه الآن ، فهو لا يجوز أن يقول : أنا آخذ هذا أجر لعملي لأني أقصد به خدمة الإسلام ، وإنما يقول : أنا آخذ هذا المال تعويضًا نظرًا لِاعتكافي وانكبابي على القيام بهذه الوظيفة ، فالدولة جعلت لي هذا التعويض لأنني صرفتُ عن عملي الخاص الذي أحصِّل به قوتَ يومي إلى القيام بهذا العمل ، فأنا آخذ هذا المال لا أجرًا ، وإنما تعويض ، وفرق كبير جدًّا بين أجر وبين تعويض أو هبة أو نحو ذلك .
وهنا إذا لاحظت هذا الفرق يتبيَّن لنا نتائج مهمة جدًّا ؛ فبعضها في حكم الإسلام لا يجوز ، وبعضها يجوز ، وعلة هذا التفريق هو ملاحظة القصد والنية ، وقد أشار - عليه الصلاة والسلام - إلى هذه الحقيقة في الحديث الصحيح في البخاري ومسلم وسائر الكتب الستة من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى ؛ فَمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومَن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه . فهذا الحديث نصٌّ صريح على بيان الفرق في عمل واحد بسبب اختلاف النية ، فهذا رجلٌ خرج للجهاد في سبيل الله وهو يطلب مرضاة الله فهو فيما خرجَ إليه ، وذاك رجلٌ خرج يجاهد زعم في سبيل الله ، وإنما قصد بذلك الدنيا يُسلِمُها امرأةً ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ، العمل واحد والنتيجة مختلفة أشد الاختلاف ، هذا العمل أحد الرجلين قرَّبَه إلى الله ، هذا العمل نفسه الرجل الآخر أبعَدَه عن الله ، والسبب اختلاف النية .
فهذا الإنسان الموظف إمامًا في مسجد أو مدرِّسًا إذا أخذ هذا المال أجرًا فكالذي جاهد لِينكِحَ امرأةً ؛ لأن العمل الصالح لا يجوز أن يبتغي به الإنسان - كما قلنا آنفًا - غير وجه الله - عز وجل - ، أما إذا جاءه هذا المال هبةً أو جاءه هديةً أو جاءه تعويضًا فهو يأخذه لا باسم أجر ، وإنما باسم رزق أرسَلَه الله إليه ، أما أن يقول : أنا آخذه أجرًا فهذا من الجهل بالإسلام ، وعدم التفريق بين نية وأخرى . وقد ثَبَتَ عن ابن عمر أن رجلًا جاءه ليقول له : إني أحبك في الله . قال ابن عمر : أما أنا فإني أبغضك في الله . قال : كيف ذاك ؟ قال : لأنك تُلحن في أذانك وتأخذ عليه أجرًا . فأنكر عليه أنه يأخذ على أذانه أجرًا ، ذلك لِمَا سبق ذكرُه أن الأذان عبادة ، فكيف يبتغي به أجرًا ماديًّا ؟! فلا جرمَ أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما أرسل عثمان بن أبي العاص الثقفي أميرًا على قومه وَعَظَه ونَصَحَه ببعض المواعظ والنصائح كان منها أن قال له : أنت إمامهم ، واقتَدِ بأضعفهم ، واتَّخذ مؤذِّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا .
إذًا هذا والآية التي سبق ذكرها : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، وبعض الأحاديث - أيضًا - التي ذُكِرَت كلُّ ذلك يدل على أن المسلم لا يجوز أن يأخذ مالًا مقابل عبادة يقوم بها لا يجوز له أن يأخذ مالًا بنية أنه أجر لعبادته وطاعته ، وإنما عليه أن يأخذ ذلك تعويضًا أو وَقْفًا أو هبةً ، وهكذا كان الحكَّام المسلمون قديمًا كانوا يوظِّفون بعض أهل العلم على وظائف متعدِّدة ؛ هذا على القضاء وهذا على الإفتاء ، وكانوا يعطونهم تعويضًا لا يعتبرونه أجرًا ، لأن الأجر - أكرِّر - لا يجوز أن يُؤخذ مقابل قيام المسلم بعبادة منها القضاء ومنها الإفتاء ، ومن هنا لا يجوز =
... ... ...
= للمفتي أن يرسم بنفسه لنفسه أن أجرة الفتوى خمس دنانير مثلًا ، أو خمس ليرات ؛ لأن هذه الفتوى واجبة عليه ، والرسول - عليه السلام - يقول : مَن سُئِلَ عن علم فكَتَمَه أُلجِمَ يوم القيامة بلجام من نار ، فهذا الواجب ينبغي عليه أن يقوم به لوجه الله - عز وجل - ، ولا يبتغي كما قال - تعالى - : لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ، لكن إن جاءه مال من الدولة أو من بعض الأغنياء الكرام أن هذا الرجل خصَّصَ نفسه لإفتاء المسلمين ولتعليمهم ولإقرائهم القرآن - مثلًا - إلى آخره ؛ فأُعطِيَ من باب الهدية أو من باب الهبة أو من باب الوقف ، الأوقاف الإسلامية يُضرب بها المثل ، فأخذ هذا الذي يقوم بهذه الوظيفة حقَّه الذي قُسِّم له لا باسم أجر ... حقيقة مش قضية لفظ فقط ، فيجب أن نلاحظ هذا ، وإنما يأخذه كهبة جاءته ، كوقف وُقِفَ له ونحو ذلك .
ونحن نعلم أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - لما اختاروه خليفةً لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، وقد كان هو يعمل في التجارة قبل ذلك ويعيِّش نفسه وأهله بذلك ، فلما وُلِّيَ أمر المسلمين شُغِلَ بأمرهم عن معيشته ، فجعلوا له راتبًا ، وما مضت أيام إلا وشعر أبو بكر الصديق الغني في قلبه والغنى غنى النفس ، مع ذلك شَعَرَ بأن هذا الذي يعطونه إياه لا يقوم بأَوَدِه ومعيشته ، فصارَحَهم بالأمر فزادوه ؛ فهذا ليس أجرًا ، وإنما هو تعويض عمَّا فاته بسبب انكبابه على خدمة المسلمين في ولايته وخلافته لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - .
هذا هو تفصيل الجواب عن ذاك السؤال .
فالخلاصة : إنما الأعمال بالنيات ، فليحسِّنْ نيَّته هذا الموظف الذي يستغل هذه الوظيفة لخدمة المسلمين ، ولا يقل : أنا آخذ هذا أجرًا ، وإنما هبة أو تعويض أو وقف أو نحو ذلك .

السائل : أحسنت .