تم نسخ النص تم نسخ الرابط
الفتاوى – الصفحة الرئيسية فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
العالم
طريقة البحث

هل يجب على كل مسلم أن يتدرَّب على القتال وحمل السلاح ليكون مستعدًّا لجهاد أعداء الله في أيِّ وقت ؟ وهل يأثم المسلم إذا ما ابتعد طول حياته عن تقوية جسمه وتعلُّم القتال مع قدرته على ذلك ؟ وهل ثبت أن أحدًا من الصحابة كان لا يجيد حمل السلاح والقتال ؟

الشيخ محمد ناصر الالباني

الشيخ : السؤال الخامس عشر : هل يجب على كل مسلم أن يتدرَّب على القتال وحمل السلاح ليكون مستعدًّا لجهاد أعداء الله في أيِّ وقت ؟ وهل يأثم المسلم إذا ما ابتعد طول حياته عن تقوية جسمه وتعلُّم القتال مع قدرته على ذلك ؟ وهل ثبت أن أحدًا من الصحابة كان لا يجيد حمل السلاح والقتال ؟
الواقع أن هذا السؤال يتضمَّن ثلاثة أسئلة ؛ فلا بد من التفريع ثم الإجابة .
أما الشطر الأول من السؤال فواضح من كتاب الله الجواب عليه ، هل يجب على كل فرد مسلم أن يتدرَّب على القتال وحمل السلاح ليكون مستعدًّا لجهاد أعداء الله في أيِّ وقت ؟
الجواب من القرآن الكريم : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّه وَعَدُوَّكُمْ ، وأكثر من ذلك جاء في السنة ليس حضًّا على التعلم بل تحذيرًا وترهيبًا من أن ينسى ما تعلَّمَه من السلاح ؛ فقال - عليه السلام - : مَن تعلَّم الرمي ثم نَسِيَه فليس منَّا ؛ لذلك فهذا السؤال أنا في الواقع أستغربه ولا أستغربه ، أستغربه لوجود النصوص الصريحة الكثيرة كتابًا وسنة التي تُوجب على المسلم أن يكون قويًّا في بدنه كما تُوجب عليه أن يكون قويًّا في عقيدة وفي روحه ، ولكن لا أستغرب هذا السؤال من جهة أخرى لِبُعد الناس أوَّلًا عن التفقُّه في كتاب الله وفي سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، وثانيًا لغلبة الخمول والجبن والهلع والخوف على جماهير المسلمين الذين ظَهَرَ عليهم نتائج ذلك في قتالهم لِأذلِّ عباد الله في الأرض ألا وهم اليهود ، فما استطاعت هذه الجماعات الكثيرة من الشعوب العربية أن تنتصر على ألوف من أولئك اليهود الذين يسمُّونهم بشذَّاذ الآفاق ؛ لذلك فالأهم عندي من هذا السؤال الذي جوابه كما عرفتم في الكتاب أن نعرف ما هو السبب الذي انصرف من أجله المسلمون عن الجهاد في سبيل الله وعن الاستعداد له ، هذا السبب يجب أن يُعرف لكي يزول العجب كما يُقال : " إذا عُرِفَ السبب بطل العجب " .
يهمُّني بمناسبة الإجابة عن هذه الفقرة من هذا السؤال أن أذكِّركم بحديث الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ؛ ألا وهو قوله : إذا تبايَعْتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد في سبيل الله ؛ سلَّطَ الله عليكم ذلًّا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ، فالآن الجهاد متروك منسي ، وقد يقع قتال ، ويجب أن تعرفوا هذه الحقيقة ؛ قد يقع قتال ما وقد وقع ، ولكن - مع الأسف الشديد - لم يقع جهاد منذ كذا من عشرات السنين ؛ لأن القتال شيء والجهاد شيء ، الجهاد أمرٌ اختصَّ به الإسلام دون كل هذه الأديان أو الأوضاع أو السلطات الحاكمة اليوم في وجه الأرض ، فهناك قتالات كثيرة وكثيرة جدًّا تقع بين دولة وأخرى ، لكن ليس ذلك من الجهاد في شيء ، والمسلمون من تأثُّرهم في تقليدهم للكفار الذي حذَّرَهم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عن تقليدهم لأولئك الكفار بمثل قوله - عليه الصلاة والسلام - : لَتتبعنَّ سَنن مَن قبلكم ؛ شبرًا بشبر ، وذراعًا بذراع ؛ حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه . قالوا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟ يعني هؤلاء الذين سوف نقلِّدهم ونحذو حذوهم ؛ قال - عليه الصلاة والسلام - : فَمَنِ الناس ؟ ؛ يعني هم الذين كانوا في أعين الناس كما الأوروبيون اليوم في أعين المسلمين مع الأسف ، مثقفين أصحاب مدنية وثقافة .
ولذلك فاليهود ، واليهود والنصارى يومئذ كانوا قدوة الناس الآخرين كما هو الواقع اليوم ، فهؤلاء النصارى واليهود بهم تأثَّر جماهير المسلمين في كثير من الأمور ، من ذلك قضية القتال ، فنحن قاتلنا ، ولكن ما أحد من تلك الدول التي شاركت في القتال قالت : إنها تجاهد في سبيل الله ، لم يكن القتال الذي وقع بين اليهود وبين المسلمين هو جهادًا في سبيل الله ، بل لقد ماتت هذه اللفظة من ألسنة الكُتَّاب إلا ما شاء الله منهم ؛ فلم يبْقَ على ألسنتهم إلا لفظة القتال وإلا لفظة دفاعًا عن الأرض وعن الوطن ، وأصبحت الأناشيد الحماسية التي يُلقَّنها الأطفال منذ نعومة أظفارهم هي كأناشيد الكفار لا فرق بينها وبينها ، إنما هي دفاع عن الأرض ، فلا فرق بين روسي يدافع عن أرضه وبين ألماني كذلك وفرنسي ومسلم عربي اليوم ، كلهم يدافعون عن الأرض ، أما الإسلام فأرض الله كلها أرضه وبلاد الله كلها وطنه ، فإنما هو يدافع عن الدين فقط كما جاء مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله .
فهذا الحديث يُخبِرُنا - عليه الصلاة والسلام - بأن المسلمين سَيُذلُّون بسبب إعراضهم عن دينهم ، ولا أريد الخوض في شرح هذا الحديث وما يدل على أمور هامة جدًّا يجب على المسلمين أن يكونوا على تنبُّه وعلى يقظة منها ، وإنما أريد أن أقول بأن الرسول - عليه السلام - قد ذكر بأن المسلمين إذا تكالبوا على الدنيا أوصَلَهم ذلك إلى ترك الجهاد في سبيل الله ، فإذا تركوا الجهاد في سبيل الله أذَلَّهم الله ، فإذا أرادوا أن يعزَّهم الله وَجَبَ عليهم أن يعودوا إلى دينهم ، وهنا نحن نشرح في مثل هذه المناسبة كثيرًا وكثيرًا ، ولكن الوقت لا يتَّسع ، فأقول باختصار : حتى ترجعوا إلى دينكم أي : الإسلام بالمفهوم الصحيح وبالتعبير الذي جَرَينا عليه من باب تعليم الناس بأقرب طريق بالمفهوم السلفي للإسلام ؛ لأن الإسلام صار مفاهيم عديدة وعديدة وكثيرة جدًّا جدًّا ، وكل هذه المفاهيم تدخل في دائرة الإسلام على ما بينها من تناقض ، فيجب على الدعاة الإسلاميين العلماء المخلصين منهم أن يقرِّبوا هذا الإسلام الصحيح إلى أفهام المسلمين ، وأن ينشِّئوهم وأن يربُّوهم على هذا المفهوم الصحيح ويعملوا به ؛ فذلك هو علاج هذا الذُّلِّ الذي رانَ على جماهير المسلمين في الوقت الحاضر .
كذلك الحديث الآخر الذي يُلفت نَظَرَنا إلى هذا الواقع المؤلم وهو قول الرسول - عليه الصلاة والسلام - : ستداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها . قالوا : أَوَمِن قلَّة نحن يومئذٍ يا رسول الله ؟ قال : بل أنتم يومئذٍ كثير ، ولكنَّكم غثاء كغثاء السيل ، وَلَينزعَنَّ الله الرهبة من صدور عدوكم ، وَلَيقذفَنَّ في قلوبكم الوَهَن . قالوا : وما الوَهَن يا رسول الله ؟ قال : حبُّ الدنيا وكراهية الموت . هذا مرض المسلمين ، حبُّ الدنيا وكراهية الموت فلا فرق بينهم من هذه الحيثية وبين الكفار الآخرين ، لكن هناك فرق - مع الأسف - ليس من صالح المسلمين أن أولئك الكفار الذين يحبون الدنيا ويتكالبون عليها مثل المسلمين أو أكثر ، فَهُم يتفوَّقون على المسلمين أن عندهم شيء من النظام محترم ، وشيء من التربية لِصالح خدمة الشعب والوطن ، وهذا ما فَقَدَه المسلمون بسبب ابتعادهم عن دينهم .
ورَضِيَ الله عن عمر بن الخطاب حين يقول : " نحن قومٌ أعزَّنا الله بالإسلام ، فمهما نبتغي العزَّة بغيره نُذَلُّ - أو نَذِلُّ - " ، هذا الواقع تنبيه مهم جدًّا للعرب المسلمين الذين يتوهَّمون أن باستطاعتهم أن ينتصروا على أعدائهم بمجرَّد قوة السلاح المادي ، هذا في الواقع عكس للحقيقة الشرعية ، ربنا - عز وجل - يقول في صريح القرآن الكريم في آيات عديدة كلها تلتقي مع مثل قوله - تعالى - : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ، وكلنا نعلم أن نصر المسلمين لربِّهم ليس هو بالاستعداد المادي ، وبمعنى آخر ليس هو بتطبيق الآية السابقة فقط : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ إلى آخر الآية ، ليس هذا هو فقط نصر المسلمين لربهم ، وإنما هو عَمَلُهم بإسلامهم ، فإذا صاروا أقوى من أقوى دولة على وجه الأرض فأنا أجزم بأن الله - عز وجل - سوف لا ينصرهم إطلاقًا ، ولو كانوا أضعف أهل الأرض قوَّةً وسلاحًا وعلى العكس من ذلك كانوا مؤمنين بالله وبرسوله حقًّا وعاملين بكتاب الله وبسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لَنَصَرَهم ربهم كما نصر آباءهم وأجدادهم من قبل ، والتاريخ يعيد نفسه ؛ ولذلك أقول : إذا كان الجهاد واجبًا وبنصوص من الكتاب والسنة فيجب أن لا يُنسِيَنا الاشتغال بالقيام وبالاستعداد لهذا الواجب الذي لا يقصِّر فيه إلا مَن ليس مسلمًا ؛ أقول : يجب أن لا يُشغِلَنا ذلك عن الاستعداد الأول أو الأساسي الذي عليه يقوم هذا الاستعداد الفرعي وهو تحقيق الآية السابقة : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ إلى آخر الآية .
هذا الجواب بالنسبة للسؤال الأول أو الفقرة الأولى من هذا السؤال .
الفقرة الثانية : قال : وهل يأثم المسلم إذا ما ابتعد طول حياته عن تقوية جسمه وتعلُّم القتال مع قدرته على ذلك ؟
السؤال فيه حكمة فيه قيد ، والجواب بطبيعة الحال سيكون : نعم ، يأثم ؛ لأنه يكون قد قصَّرَ في تطبيق الآية السابقة ؛ لا سيما والرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول : المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ وأفضل عند الله من المؤمن الضعيف ، وفي كلٍّ خير ؛ فهو وإن كان ضعيفًا في بدنه في قوَّته في استعداده لحمل السلاح ، لكن على كل حال هو لا يزال فيه خير ؛ لأنه مؤمن بالله ورسوله بخلاف الكفار كلهم أجمعين مهما كانوا أقوياء فلا خير فيهم إطلاقًا ؛ لأنهم مشركون ، وقد قال - تعالى - : وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا .
أما الشطر الأخير من هذا السؤال وهو قوله : هل ثَبَتَ أن أحدًا من الصحابة كان لا يجيد حمل السلاح والقتال ؟
هذا السؤال فيه غرابة شوية ؛ لأنُّو المعروف السؤال يكون عن الأمور الإيجابية عن الأمور الواقعية ، أما السؤال : هل ثَبَتَ أن أحدًا ما أجاد ؟ فهذا كما لو قيل : هل ثبت أن أحدًا من الصحابة كان لا يعرف سورة - مثلًا - : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أو نحو ذلك ؟ فنحن نقول : الاستعداد للجهاد في سبيل الله هو فرض ، والجهاد كما قلنا في دروس عديدة قسمان : جهاد عيني وجهاد كفائي ، والصحابة كانوا يعيشون في الجهاد من النوع الأول ؛ لأنهم هم الذين أسَّسوا لهذا الإسلام وقعَّدوا له وأقاموا دولته ؛ ولذلك فَهُم كانوا دائمًا في جهاد عيني يقاتلون مَن حولهم من المعتدين عليهم ، ثم لما وسَّعَ الله عليهم بدؤوا في الجهاد المرحلة الثانية وهو الجهاد الكفائي الذي يعني نقل الدعوة إلى البلاد الأخرى التي لم يدخل إليها الإسلام .