تم نسخ النص تم نسخ الرابط
الفتاوى – الصفحة الرئيسية فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
العالم
طريقة البحث

هل الرجل الذي يموت مؤمنًا يدخل الجنة أم هو تحت مشيئة الله فإما أن يدخله الجنة أو أن يعذِّبه بالنار ؟

الشيخ محمد ناصر الالباني

الشيخ : هل الرجل الذي يموت مؤمنًا سيدخل الجنة ، أو إن شاءَ الله أدخَلَه الجنة وإن شاء أدخَلَه النار ؟
هذا السؤال فيه نوع غرابة ، لكن كأنه يُخيَّل إليَّ أن السَّائل إما أن يكون قرأ شيئًا من علم الكلام ، أو أنه سمع من بعض الناس شيئًا من هذا العلم .
ففي علم الكلام جملة مأثورة عند الأشاعرة يقولون وهم يظنُّون أنهم يثنون على ربِّهم بما يقولون حين يقولون : " لله تعذيب الطَّائع وإثابة العاصي !! " ، هذه الجملة مذكورة في " الجوهرة " وفي غيرها من الشروح وغيرها من المتون ، وهناك تفاصيل لهذه الجملة تضخِّم المشكلة جدًّا ؛ حيث يقولون : لله - تعالى - أن يدخل محمدًا - صلى الله عليه وآله وسلم - النار ويجعله في الدَّرك الأسفل منها ، وعلى العكس من ذلك ، لكني أريد أن أقول : لا تستعجلوا حتى ما نظلم الناس ؛ لأنُّو ما يقولونه يكفيهم ظلمًا ، فما نريد أن تفهموا شيئًا أكثر مما يقولونه . قالوا على العكس من ذلك : لله - عز وجل - أن يُدخِلَ إبليس الرَّجيم جنات النعيم ويجعل مقامه في المقام الأعلى ؛ لماذا ؟ قالوا : " لله تعذيب الطَّائع وإثابة العاصي " ، حجَّتهم في ذلك مثل قوله - عز وجل - : فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ، وقوله : لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ، لكن مثل هذه النصوص المطلقة لا يجوز الاعتماد عليها بدون ضمِّها إلى النصوص الأخرى ، مثلًا هذا الله - تبارك وتعالى - الذي يقول : فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ يقول : أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ . إذًا هذه الآية وأمثالها آيات كثيرة وأحاديث أكثر وأكثر تبيِّن أن الله - عز وجل - حينما يقول : فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ لا ظالمًا ولا معرضًا عن الحكمة والعدل ، وإنما فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ مع حكمته - تبارك وتعالى - وعدله الذي لا مثلَ له .
حسبُكم في هذا من الأحاديث الصريحة الصحيحة قوله - عليه الصلاة والسلام - : قال الله - تبارك وتعالى - حديث قدسي ، يا عبادي ، إني حرَّمت الظُّلم على نفسي ، وجعلْتُه بينكم محرَّمًا فلا تظالموا . يا عبادي ، إني حرَّمت الظُّلم على نفسي هذا نص صريح له فائدتان ؛ إحداهما سلبية ، والأخرى إيجابية ، السلبية أن الله - عز وجل - لا يظلم ، أما الإيجابية أن الله قادر على الظلم ؛ لأنه قال : حرَّمت الظلم على نفسي . فهو قادر على أن يظلم الناس ، ولكن الله - عز وجل - لا يظلم الناس شيئًا ، لكن الناس أنفسهم يظلمون ، هذا من تلك النصوص الكثيرة ؛ لمَّا وَجَدَ أولئك من علماء الكلام مثل هذه النصوص الصريحة القاطعة في أن الله - عز وجل - يُعامل عباده بمجموع الصفات العليا التي اتَّصفَ بها ليس فقط بصفة أنه فعَّال لِمَا يريد كما يفهمون ، فعَّال لِما يريد يعني ولو بظلم ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لأنه يظلم ؛ لا ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لأن الله - عز وجل - حكيم عليم يضع كلَّ شيء في محلِّه المناسب له ؛ فلا أحد يستطيع أن يسأله لِمَ وضعت هذا هنا وهذا هنا ؟ لِمَ أدخلت محمدًا الجنة وأعطيته الدرجة الرفيعة وألقيت إبليس في أسفل سافلين من النار ؟ لا أحد يسأل هذا السؤال ؛ لأن الله - عز وجل - حكيم عليم يضع كلَّ شيء في محلِّه المناسب له .
لما وجد علماء الكلام مثل هذه النصوص القاطعة بأن الله - عز وجل - لا يعذِّب الطائع ، حاشاه ! كيف هو يقول في استفهام إنكاري : أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ؛ قالوا : لكي فقط ليدافعوا عن كلمة قالها بعضُ أسلافهم ، وكلُّ إنسان خطَّاء ، فالحق أن يَدَعَوا تلك الكلمة ولا يحاولوا إثباتها ولو بطريق العقل ؛ حيث رجعوا فقالوا : شرعًا لا ، لا يُقال : لله - عز وجل - تعذيب الطَّائع وإثابة العاصي ، قالوا : وإنما يُقال هذا عقلًا ، وهذه مشكلة ، كانوا في مشكلة فوقعوا في مشكلة أخرى ؛ ذلك أنهم الآن يصوِّرون للناس أن الإسلام شيء والعقل شيء ، فالعقل يُجيز شيئًا والإسلام يمنعه ، وهل هذا هو الإسلام ؟ أم الإسلام يمشي مع العقل السليم كالتوأمين تمامًا ؟
لذلك نحن نقول : لا عقلًا ولا شرعًا يجوز للمسلم أن يقول أو أن يصف ربَّه بقوله : " له تعذيب الطَّائع وإثابة العاصي " ؛ كيف أنحن أَلَم نفهم ؟ ألم نعقل ربَّنا أنه حكيم ، عليم ، عادل ؟ هكذا فهمناه ، فكيف نكابر ونقول : له عقلًا أن يعذِّب الطائع ؟! على هذا لا يجوز إلا أن نقطع بأن الله - عز وجل - وَعَدَ المؤمنين الجنة حتى العصاة ، حتى أصحاب الكبائر يومًا ما سيدخلون الجنة قطعًا إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ، ولا يجوز الشك إطلاقًا في هذه الحقيقة .
ويقابلها حقيقة أخرى أن الكفار ؛ الكفار مش عندنا ، الكفار عند الله - تبارك وتعالى - ، وهم الذين بَلَغَتْهم الشريعة الإسلامية بأصولها الصحيحة غير محرَّفة ولا مبدَّلة ، ثم كفروا بها وجحدوا بها واستيقنَتْها أنفسهم ، فهؤلاء سيدخلون جهنَّم خالدين فيها أبدًا بدون نهاية ، وهناك مرتبة بين المرتبتَين ؛ العصاة من المسلمين هؤلاء إما أن يشمل الكثيرين منهم ربُّنا - عز وجل - بمغفرته ، فيدخلهم الجنة بدون عذاب ، أو أن يعذِّبهم بسبب ذنوبهم ثم تُنجيهم من الخلود في النار إيمانهم ولو كان هذا الإيمان مثل ذرَّة ، هذا الهباء الصغير ؛ مهما كان هذا الإيمان قليلًا فهو إذا كان إيمانًا صحيحًا مطابقًا للشريعة الإسلامية كتابًا وسنة فصاحبه لا يخلد في النار ، لا يخلد في النار إلا الكفار ، هذا الذي يجب على المسلم أن يعتقده ، المؤمن الذي مات على الإيمان الصحيح وكانت حسناته أكثر من سيِّئاته فهو في الجنة " ترانزيت " بدون عذاب ، ومَن كان قد ارتكب شيئًا من المعاصي فإن لم يشمَلْه الله - عز وجل - بمغفرته سيُعذَّب في النار بالمقدار الذي يستحقُّه ، ثم يخرج منها إلى الجنة ، أما الكفار فيخلدون فيها أبدًا كما هو نصُّ القرآن ونصُّ السنة المتواترة عن النبي - عليه الصلاة والسلام - .