تم نسخ النصتم نسخ العنوان
تفسير الآيات ( 5 - 6 ) من سورة المجادلة . - ابن عثيمينالشيخ : الحمد لله رب العالمين، وصلى االله وسلم على نبينا محمد وعلى آله واصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: أما بعد:فهذا هو اللقاء الثاني والثلاثون ب...
العالم
طريقة البحث
تفسير الآيات ( 5 - 6 ) من سورة المجادلة .
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
الشيخ : الحمد لله رب العالمين، وصلى االله وسلم على نبينا محمد وعلى آله واصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين:
أما بعد:
فهذا هو اللقاء الثاني والثلاثون بعد المئتين من اللقاءات التي تعرف بلقاء الباب المفتوح، تتم كل يوم خميس هذا الخميس هو الخامس عشر من شهر محرم عام واحد وعشرين وأربعمئة وألف.
نبتديء لقاء هذا اليوم بما جرت العادة به من تفسير كتاب الله عز وجل، سبق في اللقاء السابق أن تكلمنا عن آيات الظهار، فلنسأل الآن ما هو الظهار؟
أن يشبه الرجل زوجته بمن تحرم عليه تحريما مؤبدًا مثل أن يقول: أنت علي كظهر أمي أو كظهر أختي أو كظهر عمتي أو خالتي.
حكمه؟
أنه منكر من القول وزور.
كفارته إذا أراد الإنسان أن يعود إلى هذه المرأة التي ظهر منها:
أن يعتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين من قبل أن يمس امرأته، فإن مسها أثناء الشهرين أعادها من جديد، فإن لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين أطعم ستين مسكيناً هذا الظهار وهذا حكمه.
ثم قال عز وجل: إن الذين يحادّون االله ورسولَه كبتوا كما كُبت الذين من قبلهم :
الذين يحادون الله ورسوله أي: يخالفون الله ورسوله فيفعلون ما نهى الله عنه ورسوله أو يتركون ما أمر الله به ورسوله أو يجمعون بين هذا وهذا.
وسميت المخالفة محادَّة لأن هذا المخالف كان في جهة وكانت الشريعة في جهة وبينهما حد، وتسمى مشاقة أيضًا كما قال عز وجل: ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله فإن الله شديد العقاب .
قال: إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين :
أولئك أي: المحادون لله ورسوله.
كبتوا كما كبت الذين من قبلهم :
كبتوا بمعنى: أذلوا وأهينوا كما جاء في آخر السورة: إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين .
وما من إنسان يحاد الله ورسولَه إلا أذله الله عز وجل، ويكون إذلاله بقدر ما حصل منه من المحادة جزاءً وفاقاً.
ثم هذا الذل هل يكون في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما؟
الجواب: قد يكون في الدنيا فقط، وقد يكون في الآخرة فقط، وقد يكون فيهما جميعًا، المهم أن غايتهم هو الذل بدل ما تعالوا عن الحق واستكبروا عنه أذلوا. كما كبت الذين من قبلهم يعني: ممن حادوا االله ورسوله من الأمم السابقة ماذا حصل لهم؟
حصل لهم الإهانة والخزي والعياذ بالله، وصارت أخبارهم تقرأ في كتاب الله عز وجل يتقرب المسلمون إلى الله تعالى بقراءة أخبارهم ويقرؤونها في صلاتهم.
نعم قال: وقد أنزلنا آيات بينات يعني: أن هؤلاء الذين يحادون الله ورسوله قد حادوا الله ورسوله عن علم، لأن الله أنزل آيات بينات أي: علامات على صدق الرسل وصحة رسالتهم، بينات ظاهرات لا تخفى على أحد، ومع ذلك يحادون الله ورسوله.
وللكافرين عذاب مهين أي: لكل كافر.
وهنا قد يقول قائل: لماذا لم يكن سياق الآية ولهم عذاب مهين لأنه قال: كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين ؟
فأظهر في موضع الإضمار للإشارة أن هؤلاء الذين حادوا الله ورسوله كفار، وليعم هؤلاء وغيرهم، وإن كان كل من كفر فهو محاد لله ورسوله لكن ذكر الوصف أبلغ.
يوم يبعثهم الله يوم : متعلقة بما سبق، يعني: لهم هذا العذاب المهين إذا بعثهم الله عز وجل، يبعثهم الله جميعاً لا يترك منهم نفساً واحدة كل الخلق يبعثون.
فينبئهم أي: الأخ ما معنى ينبئهم ؟

السائل : يخبرهم.

الشيخ : يخبرهم بما عملوا وهذا الإنباء من أجل أن يعرفوا أنهم هم الذين ظلموا أنفسهم، قال الله عز وجل: وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ، يا إخواني الذي يعطيك الدفتر من التجار ويقول: انظر حسابك هل يكون أنصفك أو جار عليك؟
أنصفك، إنسان يقول: خذ الدفتر أنت الآن قيم، أو مقيد عليك بحضرتك انظر الدفتر، هذا غاية الإنصاف، ولهذا قال بعض السلف لقد أنصفك من جعلك حسيباً على نفسك، فإذا قرأ الكتاب وجد أنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، أؤمن بهذه الحقيقة واعلم أن ذلك سيكون لك: كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه كل إنسان مؤمن ولا كافر ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشوراً * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً .
قال الله عز وجل أحصاه الله ونسوه أحصاه بمعنى: ضبطه مأخوذ من الحصى لأن العرب في الجاهلية لا يقرؤون ولا يكتبون فيضطبون الأشياء بالحصى، يعدها بالحصى، وعلى هذا جاء قول الشاعر:
" ولست بالأكثر منهم حصى *** وإنما العزة للكاثر " :
يعني أنهم في الجاهلية إذا أرادوا أن يعدوا قومهم عدوه بالحصى، فيأخذ حصى بعدد القوم ثم يضعه في كيس أو إناء حتى إذا شاء أن يستعيد العدد وإذا هو موجود الحصى الموجود.
فأصل أحصاه الله يعني: ضبطه، وهو مأخوذ من أين؟
من الحصى، لأن الناس في الجاهلية إنما يحصون الأعداد بالحصى.
أحصاه الله ونسوه بماذا أحصاه الله؟
أحصاه عز وجل بعلمه، وأحصاه بواسطة رسله الذين يكتبون كما قال عز وجل: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون يعني: نسمع السر والنجوى والرسل حاضرة يكتبون.
أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد : هذه الجملة تأكيد لما سبق من حيث المعنى، يعني: أن الله شهيد على كل شيء سواء فعل أو قول أو إضمار في القلب كل ذلك فالله شهيد عليه، والمقصود من هذا بيان إحاطة علم الله عز وجل ثم التحذير يا جماعة التحذير من المخالفة لأن الإنسان إذا علم أن الله على كل شيء شهيد ماذا يصنع؟
يحذر ويكف عن المعاصي ويقوم بالواجبات، اقرؤوا القرآن وأنتم تعرفون معناه، ليس المراد مجرد الإخبار بأن الله شهيد على كل شيء، هذا مراد لا شك لكن ليس هو المراد فقط، المراد أن تحذر من أن يشهد الله عليك بشيء لا يرضاه عز وجل، انتبه لهذه النقطة فأكثر الناس يقرؤون ولا يفهمون لا بد أن نفهم: والله بما تعملون بصير والله على كل شيء شهيد واالله بكل شيء عليم ، وما أشبه ذلك، المقصود منه أن نعرف هذه الصفة لله عز وجل أو أن نتعبد لله بمقتضاها؟
الجواب: الثاني مع الأول، يا أخي إذا عرفت أن الله بكل شيء عليم هل تخالف الله؟
لا تخالفه لا في السر ولا في العلانية، إذا علمت أنه على كل شيء شهيد وأنه سينبئك بما عملت ستشخى والله تخشى، لأنك سوف تلاقي ربك عن قريب: يا ايها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه الفاء تدل على قرب الشيء الترتيت والتعقيب.
فملاقيه : عن قرب وما أقرب الآخرة من الدنيا ، أحص ما خلفت وراءك من الزمن كأنه لحظة، المستقبل كذلك سيمر بك كأنه لحظة وإذا بك على الباب قد لاقيت ربك، احذر يا أخي لا تغرنك الدنيا، ولا يغرنك بالله الغرور، الدنيا زائلة كم من إنسان قُطف شبابه وهو في غاية ما يكون من الفرح والمرح وفارق الدنيا، وكم من كهل قد استوى على الدنيا وحاز من الأموال والجاه والشرف ما لم يحزه عليه وإذا هو يدس في التراب، أليس هذا هو الحقيقة؟!
ثم ما وراء ذلك؟
وراء ذلك اليوم الموعود الشاهد والمشهود الأهوال والأفزاع يوم يجعل الولدان شيباً، السماء منفطر به كان وعده مفعولاً.
اللهم أحي قلوبنا بموعظتك يا رب العالمين.
إخواني الدنيا ليست دار قرار، خذ هذا مسجل، ما هي دار القرار؟
الآخرة، ولهذا قال مؤمن آل فرعون: يا قومي إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار ، أكثر الناس الآن جعلوا الدنيا هي القرار ونسوا الآخرة، ولهذا قال في نفس الآية أحصاه الله ونسوه .
لما مرَّ عبدالله بن مسعود رضي الله عنه بقوم يعدون التسبيح بالحصى قال: " مهلا ما من عمل صالح تعملونه إلا وقد أحصاه الله، ما حاجة هذه الحصى، لكن أحصوا أعمالكم السيئة لتتوبوا منها "، وهذا من فقهه رضي الله عنه، أنت لا تحصي أنك سبحت ثمانين أو ألف أو ألفين أو صليت على النبي كذلك لا هذا معلوم مكتوب ما يضيع، لكن أحصي العمل السيء ماذا عملت من العمل السيء حتى تتوب إلى الله وترجع منه.
نعم الذكر المحدود بعدد حدده مثل: تسبيح خلف الصلوات، من قال سبحان الله وبحمده مئة مرة، وإني لأستغفر الله وأتوب مئة مرة، وما أشبه ذلك، المحدد حدد غير المحدد لا تحدد ما ضايع شيء، إنك إذا حددت ثم فخرت وقلت إني صليت على النبي صلى الله عليه وسلم مليون مرة المعنى أنك مننت على الرسول، أو قلت: إني ذكرت الله ألف مرة المعنى مننت على الله، لا تحدد إلا ما حدده الشرع والباقي أطلقه، اذكر الله ذكرا كثيراً، صل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيراً وكل شيء يحصى.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الاتعاظ بالآيات الكريمة والأحاديث النبوية، والمخلوقات العظيمة إلى الأسئلة الآن نبدأ باليمين

Webiste