تم نسخ النص تم نسخ الرابط
الفتاوى – الصفحة الرئيسية فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
العالم
طريقة البحث

وحدثناه عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة في هذا الإسناد نحوه

الشيخ محمد بن صالح العثيمين

القارئ : وحدّثناه عبيد الله بن معاذٍ ، قال : حدّثنا أبي ، قال : حدّثنا شعبة في هذا الإسناد نحوه .

الشيخ : الترجمة موضوعة : باب في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام يريد بذلك إذا أحرم الإنسان بحج مفرد أو بحج قران ، فقد سبق أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر من لم يكن معه هدي أن يحل ، ويجعلها عمرة .
يقول هذا المترجم - أعني واضع الترجمة - يقول : إن هذا الأمر منسوخ بالأمر بالتمام ، وهذا عجب ، عجب لا ينقضي ، متى كان الأمر بالتمام ؟! في صلح الحديبية ، ومتى كان الأمر بالفسخ ؟ في حجة الوداع .
فيا عجبًا ! كيف ينسخ المتأخّر بالمتقدّم ؟!
لكن هذا علته أن الإنسان يعتقد أولًا ثم يستدلّ ثانيًا ، وهذه من الآفات العظيمة التي يجب على طالب العلم أن يحذر منها ، إذ أن الواجب أن يكون المعتقد تابعًا للدليل ، فينظر في الدليل قبل ثم يحكم ، وأما أنت تحكم أولًا أو تعتقد أولًا ثم تحوّل الدليل إلى معتقدك ومحكومك فهذا غلط ، لأن هذا يعني أنك تجعل النصوص تبعًا لرأيك وليس رأيك تبعًا للنصوص .
فهذه الترجمة نعتبرها غلطًا في الواقع .
أما الحديث فأنتم ترون أن أبا موسى رضي الله عنه كان يفتي بالتحلّل وفسخ الحج ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أفتاه بذلك ، وأبو موسى ممّن قدم من اليمن ، ولكنه جاء بعد أن قضى النبي صلى الله عليه وسلم من الطواف والسعي وأناخ بالأبطح ، قدم أبو موسى ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أحججت ؟ قال : نعم ، قال : بم أهللت ؟ قال : بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ، فأثنى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال : أحسنت ، لأن هذا هو الذي ينبغي للإنسان ، أنه إذا كان جاهلًا بالأمر ، أن يعلّقه بما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم .
فيؤخذ من هذا الحديث ما سبق أن الحجّ ليس كغيره من العبادات ، أي : أنّه ينعقد مبهمًا ، ثم يعيّن ، لأن أبا موسى عقده مبهمًا ، وعلي بن أبي طالب أيضًا عقده مبهمًا ، وأقرّ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك .
قال : فقد أحسنت ، طف بالبيت وبالصّفا والمروة ، وأحلّ .
طف بالبيت ليكون طواف عمرة . وبين الصفا والمروة ليكون سعي عمرة ، ثم أحل ، لم يبيّن في هذا الحديث ما نوع الإحلال ، أو بماذا يحل ، وقد سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يقصّروا ، ومن ثمّ جعل بعض العلماء التقصير ليس عبادة ، ولكنه إحلال ، وإطلاق من محذور ، وبنى على ذلك أنه يحل من هذا المحذور بأن يقص شعرة واحدة ، أو شعرتين أو ثلاثة ، لأن بقص هذه الشعرات ينتهك الحرمة ، فيكون أطلق نفسه من محذور.
ولكن الصواب: أن الحلق أو التقصير نسك ، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به ، ولدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لمن قام به .
ولو كان إطلاق من محذور لكان الإنسان يطلق المحذور بأي شيء ، لكان يمكن إذا جامع زوجته أطلق نفسه من محذور .
المهم أنه قال له : أحل ، قال : فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم أتيت امرأة من بني قيس ففلت رأسي ، هذا يحمل على أن هذه المرأة من محارمه ، وإلّا لما حلّ له ذلك ، ثم أهللت بالحج متى ؟ في اليوم الثامن .
قال : فكنت أفتي به الناس حتى كان في خلافة عمر رضي الله عنه فقال له رجل : يا عبد الله بن قيس ، رويدك ، يعني : انتظر ، بعض فتياك فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك .
فقال -يقول هو أبو موسى- : أيها الناس من كنّا أفتيناه فتيا فليتئد فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فبه فأتموا .
وفي هذا احترام السلف الصالح لولاة أمورهم ، وأنهم لا يريدون من الناس أن يختلفوا عليهم ، حتى في مثل هذا الأمر الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، لكنّ أبا موسى رضي الله عنه رأى أن عند أمير المؤمنين من الرأي والحكمة ما ليس عنده ، وإلّا فمن المعلوم أن أبا موسى وغيره لا يمكن أن يقدّم قول عمر على قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكن رأى أنه أمير المؤمنين وإمامهم وأن عنده من الحكمة ما يرى أن الأفضل ألّا يحلّ الناس .
والمهم أن هذا الرجل الذي علم بالنص هدي النبي صلى الله عليه وسلم لمّا قيل له : إن عمر رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين خالف ذلك أمر الناس أن يتئدوا ، وقال : اصبروا ، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فبه فأتموا .
وهذا هو الذي يصلح الأمة ، أن تأتمّ بأئمتها ، إلّا فيما يخالف الشرع وليس فيه مساغ للاجتهاد ، فهذا شيء آخر ، لكن ما دام الأمر فيه مساغ للاجتهاد ، فإنه لا ينبغي إطلاقًا أن يخرج الإنسان عما كان عليه ولاة الأمور ، لأن في ذلك الشر والفساد .
وفيه أيضًا : اضطراب الناس رأيًا وسلوكًا وفكرًا ، بل وربما أدى ذلك إلى القتال ، كما هو الواقع فيمن شهد التاريخ .
قال : فقدم عمر رضي الله عنه فذكرت ذلك له فقال : إن نأخذ بكتاب الله فإن كتاب الله يأمر بالتمام في قوله : وأتموا الحج والعمرة لله فأنت أيها الناسك قدمت بحجٍّ فأتم الحج ، قدمت بعمرة فأتم العمرة.
وإن نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحلّ حتى بلغ الهدي محله يعني معناه : أن الرسول أحرم بحج أو بقران ولم يحل حتى بلغ الهدي محله ولم يتمتع ، ويقال : إن هذا لا شك رأي عمر ، لكنه مخالف لما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم حيث أمر من لم يكن معه هدي أن يحلّ .
والجواب على قول عمر هذا أن يقال : أما إتمام الحج فإن المتمتع لم يخرج عن إتمام الحج ، بل أتى بنسك أفضل ، لأنه أحلّ من العمرة ليحرم بالحج ، فيأتي بنسكين مستقلين .
ولهذا لو قلنا : إفسخ الحج إلى عمرة لتتحلل وتذهب إلى أهلك قلنا هذا لا يجوز ، لكن هذا فسخ الحج إلى عمرة ليكون ذلك أكمل في النسك . هذا الجواب عن قوله : فإن الله أمر بالإتمام يقال : فهذا من التمام أنه لم يعدل عن الحج حتى تركه ، بل عدل عن الحج إلى ما هو أكمل .
وأما قوله : إن نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن الرسول لم يحل يقال : نعم الرسول لم يحل ، لكن منعه من الحل سوق الهدي ، فهذا من الاجتهاد الذي ليس بصواب ، لكن عمر رضي الله عنه رأى حكمةً ، وهي أن الناس إذا أتوا بالعمرة في أشهر الحج اكتفوا بذلك عن الاعتمار في بقية السنة ، فبقي البيت مهجورًا ، لا يأتيه أحد ، فلذلك رأى بسياسته أن تكون العمرة في وقت والحج في وقت آخر ، والعجب العجيب أن شيخ الإسلام رحمه الله قال : إن إفراد الحج بسفر ، والعمرة بسفر أفضل من جمعهما في سفر بلا خلاف ، يعني حتى من التمتع ، وهذا مما يتعجب منه الإنسان ، أن شيخ الإسلام رحمه الله يقول مثل هذا القول ، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين أمر الناس بالحل لم يسأل : هل أحد أتى بعمرة قبل ذلك أو لا ؟ بل أمر الجميع بالحل ، يعني ولو كانوا أتوا بعمرة .
فهذا مما يوجب الإنسان أن يعلم أن المرء مهما بلغ من العلم فإنه لا بد أن يكون لديه قصور .