تم نسخ النصتم نسخ العنوان
مذهب أهل السنة والجماعة في عيسى ابن مريم - اللجنة الدائمة فتوى رقم (  262  ):   س:  هل عيسى حي أو ميت في نظر القرآن الكريم والسنة المطهرة؟     ج:  ذهب  أهل السنة والجماعة  إلى أن المسيح عيسى عليه الصلاة والسلا...
العالم
طريقة البحث
مذهب أهل السنة والجماعة في عيسى ابن مريم
اللجنة الدائمة
فتوى رقم ( 262 ):
س: هل عيسى حي أو ميت في نظر القرآن الكريم والسنة المطهرة؟
ج: ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن المسيح عيسى عليه الصلاة والسلام لم يزل حيًّا، وأن الله رفعه إلى السماء، وأنه سينزل
آخر الزمان عدلاً يحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويدعو إلى ما جاء به من الحق، وعلى ذلك دلت نصوص القرآن والأحاديث الصحيحة، قال الله تعالى في فرية اليهود والرد عليها: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ، فأنكر سبحانه على اليهود زعمهم أنهم قتلوه أو صلبوه، وأخبر أنه رفعه إليه رحمة به وتكريمًا له، وجعل ذلك آية من آياته التي يؤتيها من شاء من رسله، وما أكثر آيات الله في عيسى ابن مريم أولاً وآخرًا، ومقتضى الإِضراب في قوله تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ، أن يكون الله قد رفع عيسى بدنًا وروحًا حتى يتحقق به الرد على زعم اليهود أنهم قتلوه أو صلبوه؛ لأن القتل والصلب إنما يكون للبدن أصالة؛ ولأن رفع الروح وحدها لا ينافي دعواهم الصلب والقتل فلا يكون رفعها وحدها ردًّا عليهم؛ ولأن ذلك مقتضى كمال عزته وقوته وتكريمه ونصره من شاء من رسله حسبما قضى به قوله تعالى في ختام الآية: وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ، وقال تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ، فأخبر سبحانه بأن
جميع أهل الكتاب سوف يؤمنون بعيسى قبل موته، أي: موت عيسى، وذلك عند نزوله آخر الزمان حكمًا عدلاً داعيًا إلى الإِسلام، كما سيجيء بيانه في حديث نزوله، وهذا المعنى هو المتعين فإن الكلام سيق لبيان موقف اليهود من عيسى وصنيعهم معه ولبيان سنة الله في إنجائه ورد كيد أعدائه، فيتعين رجوع الضميرين المجرورين إلى عيسى رعاية لسياق الكلام، وتوحيدًا لمرجع الضميرين، وثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ الآية . وفي رواية عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم ، وثبت في الصحيح أيضًا: أن جابر بن عبد الله سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال: فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة فدلت الأحاديث على نزوله آخر الزمان، وعلى أنه يحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى أن إمام هذه الأمة في الصلاة وغيرها أيام نزول عيسى من هذه الأمة، وعلى ذلك لا تكون هناك منافاة بين نزوله وبين ختم النبوة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم
حيث لم يأت عيسى برسالة جديدة، ولله الحكم أولاً وآخرًا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا معقب لحكمه، وهو العزيز الحكيم. فمن زعم أن عيسى عليه الصلاة والسلام صلب أو قتل فهو كافر؛ لمخالفته لصريح القرآن، ولما ثبت من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قال من المسلمين: إن الله تعالى أمات عيسى عليه الصلاة والسلام موتًا حقيقيًّا، ثم رفعه إليه حينما كاد له اليهود وعزموا على صلبه وقتله، فقد شذ عن جماعة المسلمين وضل عن سواء السبيل؛ لمخالفته ظواهر نصوص القرآن والسنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذي حداهم إلى هذا فهمهم الخاطئ لقوله تعالى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، حيث فسر التوفي بالإِماتة فخالف بذلك ما صح عن السلف من تفسيره بقبض الله إياه من الأرض ورفعه إليه حيًّا وتخليصه بذلك من الذين كفروا جمعًا بين نصوص الكتاب والسنة الصحيحة على رفعه حيًّا وعلى نزوله آخر الزمان وإيمان أهل الكتاب جميعًا وغيرهم به. وما روي عن ابن عباس من تفسير التوفي هنا بالإِماتة فغير صحيح لانقطاع سنده إذ هو من رواية علي بن أبي طلحة عنه، وعلي لم يسمع منه ولم يره، وإنما روى عنه بواسطة، ولم يصح أيضًا ما روي عن وهب بن منبه اليماني من
تفسير التوفي بالإِماتة؛ لأنه من رواية ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب، ففيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس، وفيه مجهول، ثم هذا التفسير لا يزيد عن كونه احتمالاً في معنى التوفي، فإنه قد فسر بأن الله قد قبضه من الأرض بدنًا وروحًا ورفعه إليه حيًّا، وفسر بأنه أنامه ثم رفعه، وبأنه يميته بعد رفعه ونزوله آخر الزمان، إذ الواو لا تقتضي الترتيب، وإنما تقتضي جمع الأمرين له فقط، وإذا اختلفت الأقوال في معنى الآية وجب المصير إلى القول الذي يوافق ظواهر الأدلة الأخرى جمعًا بين الأدلة، وردًّا للمتشابه منها إلى المحكم، كما هو شأن الراسخين في العلم دون أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه من التنزيل ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وكذلك القول في اختلافهم في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ، فيجب المصير فيه إلى معنى يتفق مع سياق الكلام وما ثبت من أحاديث نزول عيسى آخر الزمان وإيمان أهل الكتاب جميعًا وغيرهم به؛ جمعًا بين الأدلة، ومحافظةً على مقصد المتكلم من كلامه، فمن نظر إلى هذه الآية مجردة عما قبلها وعن القصد الذي سيقت له وعن الأدلة الأخرى التي وردت في موضوعها وتأولها على معنى: لا أحد من أهل الكتاب إلاَّ ليؤمن بالله أو بعيسى قبل موته، أي الكتابي - فقد خالف ظاهر الآية وسياق الكلام وما ثبت من الأدلة الأخرى في شأن عيسى، وكان بذلك ممن اتبع ما تشابه من المنزل ولم يرده إلى المحكم منه،
ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فحق عليه وعيد من في قلوبهم زيغ، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ ، ثم إن من يقول بإماتة الله لعيسى حين كاد له اليهود إما أن يعترف بنزول عيسى عليه السلام آخر الزمان عملاً بما ورد من الأحاديث الصحيحة في ذلك وإما أن ينكر نزوله، فإن اعترف به لزمه أن يثبت لعيسى موتًا ثم حياة في الدنيا ثم موتًا عند الكيد والرفع ثم حياة ثم موتًا بعد النزول ثم حياة عند البعث، وهذا مخالف بلا دليل لقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، ولقوله تعالى: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ، وإن أنكر نزوله بعد رفعه كان رادًّا للأحاديث الصحيحة المتلقاة بالقبول عند علماء المسلمين الشاهدة شهادة صريحة بنزوله ودعوته إلى الحق وحكمه به وقتله الخنزير وكسره الصليب.. إلخ ما ثبت من أحواله بعد نزوله، وكلا الأمرين لا مخلص منه إلاَّ بالقول بما قال به أهل
السنة والجماعة من إنجاء الله عيسى من كيد اليهود ورفعه إليه بدنًا وروحًا، وإنزاله آخر الزمان حكمًا عدلاً. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

Webiste