تم نسخ النصتم نسخ العنوان
بيان الجمع بين قوله - تعالى- : (( إِنَّ اللَّه... - الالبانيالشيخ : قد يقول قائل كتوفيق بين هذا النَّصِّ القرآني القطعيِّ الثبوت والقطعيِّ الدلالة التوفيق بينه وبين هذا الحديث من ناحيتين ؛ الناحية الأولى أن الآية...
العالم
طريقة البحث
بيان الجمع بين قوله - تعالى- : (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ )) ، وحديث أبي هريرة : ( كَانَ رَجُلٌ يُسرِفُ عَلَى نَفسِهِ لَمَّا حَضَرَهُ المَوتُ قالَ لِبَنِيهِ : إِذَا أَنَا مِتُّ فَأحرِقُونِي ثُمَّ اطحَنُونِي ) .
الشيخ محمد ناصر الالباني
الشيخ : قد يقول قائل كتوفيق بين هذا النَّصِّ القرآني القطعيِّ الثبوت والقطعيِّ الدلالة التوفيق بينه وبين هذا الحديث من ناحيتين ؛ الناحية الأولى أن الآية قالت : لا تغفر الشرك ، أو الله لا يغفر الشرك ، والكفر غير الشرك ، وبمعنى آخر : إنما جاء في هذا الحديث ليس فيه شرك وإنما هو الكفر ؛ لأن هذا الإنسان مؤمن بالله - عز وجل - ، وإيمانه بالله حَمَلَه على هذه الوصية الجائرة لأنه شعر بأنه يستحقُّ العذاب ؛ فخلاصًا من عذاب الله - عز وجل - له أوصى بها ، فهو يخاف الله وليس يؤمن به فقط ؛ بل ويخاف الله ، فكان من أثر خوفه من الله أن أوصى بهذه الوصية . فإذًا هو مؤمن بالله ولم يشرك مع الله أحدًا ، فالتوفيق بين الحديث وبين الآية بأن تبقى الآية على ظاهرها إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، أما الكفر الذي ليس شركًا فيمكن أن يُقال : إن الله يغفره ، والدليل على ذلك هذا الحديث ؛ قد يقول قائل هذا . ويبدو لأوَّل وهلة بأن هذا التوفيق مقبول ومعقول ، لكن الأمر ليس كذلك ؛ لأن هناك حقيقة شرعية يجب أن نكون على علم بها ؛ أوَّلًا : لأنه شرع يجب أن يُفهم على وجهه وعلى حقيقته ، وثانيًا : لأن هذا الفهم يساعدنا على التوفيق بين كثير من النصوص التي يبدو بينها تعارض وتضارب ، ما هي هذه الحقيقة الشرعية ؟ هي أن كل كفر شرك .
معلوم لدى جميع الناس على الأقل الفقهاء أو طلاب العلم أن كل شرك كفر ، لكن العكس ليس معلومًا عندهم ، معلوم عندهم أن كل شرك كفر ، لكن أن كل كفر شرك فهذا غير معلوم عند جماهير الناس ؛ مع أن هذا حقٌّ مثل ما أنكم تنطقون ؛ أي : كلُّ كفر شرك ككل شرك كفر لا فرق بينهما إطلاقًا ، ومن الأدلة على ذلك المحاورة التي ذَكَرَها الله - عز وجل - في سورة الكهف بين المؤمن والمشرك ؛ قال الله - عز وجل - : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ ؛ قال صاحب الجنَّتين وهو كافر مشرك كما ستسمعون لصاحبه المؤمن ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ "" ما أظن هذه أن تبيد أبدًا "" .

الحاضرون : مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا .

الشيخ : نعم ؟

الحاضرون : مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا .

الشيخ : شو قلت أنا ؟

سائل آخر : ... .

الشيخ : مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ؛ هذا بالتعبير العام وبالعرف العام أَشرَكَ أم كفر ؟ هذا كفر ؛ لأنه أنكر البعث والنشور ؛ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ ؛ أي : المؤمن وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ، خَتَمَ موعظته ومحاورته لصاحبه بأنه لا يشرك كشركه ، وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ؛ ففي هذا بيان أن الرجل صاحب الجنَّتين يعني البستانين حينما شكَّ في البعث والنشور أشرَكَ بالله - عز وجل - ؛ لذلك قال له صاحبه المؤمن أنت كفرت وأشركت ، أما أنا فلا أشرك بربِّي أحدًا .
وتمام القصّة - أيضًا - تؤكِّد هذا ؛ لأن في نهاية الآيات وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ، ما الذي أشرك ؟ الظاهر أنه أنكر البعث والنشور ؛ فأين الشرك ؟ هنا النكتة ؛ الشرك أن كل كافر لأيِّ سبب كان كفره فقد اتَّخذ إلهه هواه ؛ فمن هنا جاء الشرك بالنسبة لكلِّ نوع كَفَرَ به صاحبه ، من هنا قلنا : إن هناك حقيقة شرعية وهي أن كل كفر فهو شرك .
وهذا السياق الذي نقلناه لكم أكبر دليل على ذلك ، وعلى هذا فلا يصحَّ التوفيق بين الآية السابقة الذكر إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وبين هذا الحديث على الوجه الذي حكيناه آنفًا ؛ ذلك لأنَّ معنى الآية بعد هذا الشرح هو إن الله لا يغفر أن يكفر به ؛ أي : سواء كَانَ الكفر شركًا لغةً أو لم يكن ؛ فالله - عز وجل - لا يغفر الكفر مطلقًا ؛ سواء كان شركًا أو ليس بشرك ، وهذا البيان هو كما قلت لكم يفتح لنا حلَّ مشاكل كثيرة ... فإذا ما عرفنا أن الشرك في لغة الشرع هو الكفر والكفر هو الشرك ؛ فحينئذٍ تعود الآية دلالة صريحة على أن الله - عز وجل - لا يغفر الشرك بكلِّ أنواعه اللهم إلا إذا كان شركًا عمليًّا وليس شركًا قلبيًّا .

Webiste