تم نسخ النصتم نسخ العنوان
كثر الكلام في موضوع الحجاب و النقاب و اختلفت... - ابن عثيمينالسائل : هذا السائل مصري مقيم بالمملكة بريدة يقول في هذا السؤال فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد كثُر الكلام في موضوع الحجاب والنقاب واخ...
العالم
طريقة البحث
كثر الكلام في موضوع الحجاب و النقاب و اختلفت آراء المشايخ و الفقهاء فمنهم من يرى أن كشف الوجه و اليدين للمرأة حرام و منهم من لا يرى ذلك إلا إذا خشيت الفتنة و الغريب أن كل فريق استند على بعض الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية و الفريق الذي يرى أن ذلك حرام استند على آيات الحجاب في سورة النور و غير ذلك و الفريق الذي لا يرى أن ذلك حرام استند إلى أن الله عز و جل أمر المؤمنين بغض البصر و قالوا بأن غض البصر لا يأتي إلا عند كشف المرأة عن وجهها فكيف يكون غض البصر و المرأة تغطي وجهها و كيف تغض المرأة من بصرها عن الرجال و هل تغطي وجهها فما رأيكم في هذه الاختلافات في هذا الموضوع و ماذا يجب علينا نحن المسلمين في هذه الاختلافات و لا سيما و أن كل فريق يستند على آيات و أحاديث صحيحة ؟
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
السائل : هذا السائل مصري مقيم بالمملكة بريدة يقول في هذا السؤال فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد كثُر الكلام في موضوع الحجاب والنقاب واختلفت ءاراء المشائخ والفقهاء فمنهم من يرى أن كشف الوجه واليدين عند المرأة حرام ومنهم من لا يرى ذلك إلا إذا خُشيت الفتنة والغريب أن كل فريق استند لبعض الأيات القرءانية والأحاديث النبوية والفريق الذي يرى أن ذلك حرام استند لأيات الحجاب في سورة النور وغير ذلك والفريق الذي لا يرى أن ذلك حرام استند إلى أن الله عز وجل أمر المؤمنين بغض البصر وقالوا بأن غض البصر لا يأتي إلا عند كشف المرأة عن وجهها فكيف يكون غض البصر والمرأة تغطي وجهها وكيف تغض المرأة عن بصرها عن الرجال وهل تغطي وجهها فما رأيكم في هذا الموضوع وما رأيكم حفظكم الله يا شيخ محمد في الاختلافات في مثل هذا الموضوع وغيره وماذا يجب علينا نحن المسلمين في هذه الاختلافات ولاسيما وأن كل فريق يستند على ءايات وأحاديث صحيحة جزاكم الله خيرا؟

الشيخ : الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى ءاله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، هذا السؤال سؤال مركّز جيد ويُعجبني سياقه على هذا الوجه لأنه يدل على أن هذا الرجل السائل قد اعتنى في هذه المسألة ألا وهي مسألة كشف المرأة وجهها لغير المحارم والزوج، وهذه المسألة لا شك أن العلماء اختلفوا فيها وأن كل واحد منهم أدلى بحججه ولكن لدينا ميزان أمرنا الله تعالى به أي بالرجوع إليه وهو كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وعلى ءاله وسلم حينما قال تبارك وتعالى وَمَا اختَلَفتُم فيهِ مِن شَيءٍ فَحُكمُهُ إِلَى اللَّهِ وقال تعالى فَإِن تَنازَعتُم في شَيءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسولِ إِن كُنتُم تُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأويلًا وبتأمّل الإنسان للأدلة التي استدل بها كل واحد من الطرفين يتبيّن له أن الأدلة تؤيّد من قال بوجوب ستر الوجه عن الرجال غير المحارم والزوج وفي ذلك أدلة سقناها في كتاب بل في رسالة صغيرة لنا أسميناها "الحجاب" وبيّنّا فيها الأدلة من الكتاب والسنّة والاعتبار على وجوب ستر المرأة وجهها عن الرجال غير المحارم والزوج وأجبنا عن أدلة القائلين بالجواز بجوابين أحدهما مجمل والثاني مفصل.
فأما المجمل فإننا ذكرنا أن النصوص الواردة والتي فيها ما يدل على جواز كشف الوجه لغير المحارم والزوج يمكن أن تُحمل على أحد أمرين إما على أنها قبل وجوب الحجاب وذلك لأن المسلمين كان لهم حالان، الحال الأولى حال قبل الحجاب وفيها كشف الوجه والكفين والحال الثانية بعد الحجاب وفيها الأمر بستر الوجه والكفين وهذا جواب مجمل أو أن يكون هناك أيضا من الجواب المجمل يكون هناك قضايا معيّنة فيها أسباب خاصة ظاهرها جواز كشف الوجه لغير المحارم والزوج.
وكذلك أجبنا عن أدلة القائلين بالجواز على وجه التفصيل فيحسن بالأخ السائل أن يرجع إلى هذه الرسالة وإلى غيرها أيضا مما كتبه أهل العلم ولاسيما كتاب "عودة الحجاب" فإنه كتاب مطوّل وفيه ما يشفي العليل ويُروي الغليل.
وإني أقول لهذا الأخ السائل إنه على فرض أن لا يكون هناك دليل على وجوب ستر الوجه عن الرجال غير المحارم والزوج أو أن الأدلة متكافئة، أدلة وجوب ستره وأدلة جواز كشفه فإن الحال اليوم تقتضي إلزام النساء بستر الوجه وذلك لكثرة الفتن وضعف الدين فإنه كلما كثُرت الفتن وضعُف الدين فإنه يجب أن يُجعل هناك روادع وزواجر تمنع من الوصول إلى ما تكون به الفتنة ولهذا أصل في الشريعة فقد قال الله عز وجل وَلا تَسُبُّوا الَّذينَ يَدعونَ مِن دونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدوًا بِغَيرِ عِلمٍ فنهى عن سب ءالهة المشركين لأننا لو سببنا ءالهتهم لسبوا إلهنا وهو الله عز وجل ونحن إذا سببنا ءالهتهم فهي أهل للسب ولكنهم إذا سبوا الله عز وجل فإنهم يسبون الله تعالى عدوا بغير علم، فسَدّ الله تعالى هذا الباب الذي يكون وسيلة أو يكون ذريعة إلى سب الله عز وجل مع أنه محمود أي أننا نؤمر بأن نسب ءالهة المشركين وأن نبيّن بطلانها لكن إذا كان يُفضي إلى سب من لا يستحق السب وهو الله عز وجل لكمال صفاته فإننا نُمنع من سب ءالهتهم.
ولما كثُر شرب الخمر في المسلمين بعد كثرة الفتوح في زمن عمر رضي الله عنه استشار الصحابة كيف يجعل عقوبته بعد أن كانت عقوبته نحوًا من أربعين جلدة فأشاروا إليه أن يرفع هذه العقوبة إلى أخف الحدود إلى ثمانين جلدة وهو أخف الحدود وهو حد القذف فإن حد القذف ثمانون جلدة فأشار الصحابة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يرفع عقوبة شارب الخمر إلى ثمانين جلدة فرفعها فزاد في العقوبة نظرا لكثرة شربها من الناس.
ولما استهان الناس بأمر الطلاق الثلاث في مجلس واحد وهو من اتخاذ ءايات الله هزوا رأى عمر رضي الله عنه أن يُلزم من طلّق ثلاثا بما ألزم به نفسه وأن يُمنع من الرجوع إلى زوجته فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال " كان طلاق الثلاث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فلما تتايع الناس فيه قال عمر رضي الله عنه أرى الناس قد تتايعوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم " .
فعلى فرض أن النصوص في جواز كشف المرأة وجهها لغير المحارم والزوج أو عدمه متكافئة فإنه في هذا الزمان يجب أن يُسار في الطريق الأحوط والأمثل لمنع الفتنة والشر والفساد وهو إلزام المرأة بالحجاب أي بستر وجهها.
ولا يخفى علينا جميعا ما حصل للبلاد التي استباح أهلها كشف الوجه والكفين من التهتك في ذلك حتى كشفت المرأة ذراعيها وعنقها وشيئا من رأسها أو رأسها كله كما هو مشاهد في البلاد الأخرى فالمرأة لن تقف أبدا على الحد الذي هو موضع الخلاف وهو كشف الوجه والكفين فقط بل ستهتك الستر فيما وراء ذلك لهذا نرى أنه يجب على المرأة أن تستر وجهها عن الرجال غير المحارم والزوج ولنا في ذلك أدلة وكما قلت إنه لو فرِض تكافؤ الأدلة في ذلك لكانت القواعد الشرعية تقتضي منع النساء من كشف وجوههن في هذا العصر.
أما النقاب فالنقاب لا شك أنه جائز وأنه على عهد النبي عليه الصلاة والسلام ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في المحرمة لا تنتقب وهذا يدل على أن النقاب كان معروفا بينهم ولكن النقاب المعروف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم نقاب بقدر الحاجة أي أن المرأة لا تنتقب إلا بمقدار ما ترى الطريق فتفتح لعينيها فتحة تكون بقدر العين فقط لكن النقاب اليوم توسّع فيه كثير من النساء فصارت المرأة تنتقب بنقاب واسع يخرج منه كل العين بل والحاجب وطرف الجبهة وطرف الخد وربما تتوسّع النساء في ذلك إلى أكثر فلهذا نرى منعه من باب السياسة وعدم التجاوز في حد النقاب المباح ولسنا نرى منعه لأن الأدلة تدل على منعه لا لأن الأدلة تدل على جوازه لكن الجائز إذا كان يُفضي إلى شيء محرم لا يُمكن انضباطه فإن من الحكمة منعه درءا للمفسدة التي تترتب على القول بإباحته.
وأما قول السائل إن الله تعالى أمر المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم وهذا يدل على أن هناك شيئا يُنظر إليه فيُقال إن هذه الأية إن لم تكن دليلا عليه أي على قول من قال بجواز كشف الوجه فليست دليلا له لأن أمر الله سبحانه وتعالى بالغض من البصر لا يعني أو لا يستلزم أن تكون المرأة كاشفة وجهها إذ أن الإنسان قد ينظر إلى المرأة من حيث حجم جسمها ولباقته وما أشبه ذلك ثم إنه قد يكون للمرء نظرة أولى حينما يُواجه المرأة وجها لوجه قبل أن تعلم به أو قبل أن يعلم بها ولهذا جاء في الحديث لك النظرة الأولى وليست لك النظرة الثانية فإذا صادف أن رجلا واجهته امرأة وهي كاشفة وجهها فإن الواجب عليه أن يغض البصر وهي يجب عليها في هذه الحال أن تستر وجهها.
يقول ما موقف الإنسان من خلاف العلماء؟ والجواب على ذلك أن نقول إذا كان الإنسان طالب علم يمكنه أن يجتهد وينظر في أدلة الفريقين فيحكم بما يرى أنه أقرب إلى الصواب فهذا هو الواجب عليه أما إذا كان الإنسان عاميا لا يعرف فإن الواجب عليه أن يتبع من يظنه أقرب إلى الصواب في علمه وفي دينه وأمانته كما أن الإنسان لو اختلف عليه طبيبان وهو مريض في وصفة الدواء فإنه بمقتضى الفطرة سيأخذ بقول من يرى أنه أحذق وأقرب إلى الصواب وهكذا مسائل العلم يجب على الإنسان أن يتبع من يرى أنه أقرب إلى الصواب إما لغزارة علمه وإما لثقته وأمانته ودينه فإن لم يعلم أيهما أرجح في ذلك فقد قال بعض أهل العلم إنه يُخيّر إن شاء أخذ بقول هذا وإن شاء أخذ بقول هذا.
وقال بعض العلماء يأخذ بما هو أحوط أي بالأشد احتياطا وإبراء للذمة وقال بعض العلماء يأخذ بما هو أيسر لأن ذلك أوفق للشريعة إذ أن الدين الإسلامي يسر كما قال الله تبارك تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وكما قال تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى ءاله وسلم إن الدين يسر وقال وهو يبعث البعوث يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا فإنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسرين أي أنه إذا اختلفت ءاراء العلماء عندك وليس عندك ترجيح فإنك تأخذ بالأيسر لهذه الأدلة ولأن الأصل براءة الذمة ولو ألزمنا الإنسان بالأشد للزم من ذلك إشغال ذمته والأصل عدم ذلك وهذا القول أرجح عندي أي أن العلماء إذا اختلفوا على قولين وتكافأت الأدلة عندك في ترجيح أحد القولين فإنك تأخذ بالأيسر منهما وهذا أعني الأخذ بالقول الأيسر فيما يتعلّق بنفس الإنسان أما إذا كان يترتب على ذلك مفسدة فإنه يمتنع من ذلك على وجه الإعلان يعني معناه يمتنع من إظهار ذلك وإعلانه.
مثال هذا لو قدّرنا أن الرجل ترجّح عنده أن المرأة يجوز لها أن تكشف وجهها لغير المحارم والزوج لكنه في بيئة لا ترى ذلك ونساؤها ملتزمات محتجبات ففي هذه الحال لا يسمح لامرأته بأن تخرج كاشفة الوجه في مجتمع أخذوا بالقول الثاني وهو وجوب ستر الوجه لما في ذلك من المفسدة على غيره لأن من عادة الناس أن يتبعوا ما هو أسهل سواء كان صوابا أم غير صواب إلا من عصم الله.
وعلى هذا فنقول القول الصحيح أن نأخذ بالأيسر ما لم يتضمّن ذلك مفسدة فإن تضمّن ذلك مفسدة فليأخذ بالأيسر في حق نفسه فقط. نعم.

السائل : بارك الله فيكم فضيلة الشيخ.

Webiste