تم نسخ النصتم نسخ العنوان
تفسير سورة الإنشقاق من قوله :"بل الذين كفروا... - ابن عثيمينالشيخ : الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد: فهذا هو اللقاء الأول، من شهر ربيع...
العالم
طريقة البحث
تفسير سورة الإنشقاق من قوله :"بل الذين كفروا يكذبون " إلى آخر السورة .
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
الشيخ : الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا هو اللقاء الأول، من شهر ربيع الأول، عام 1414 ه، وهو اللقاء الذي يكون في كل يوم خميس من كل أسبوع، ونرجو من الإخوان المعذرة في إيقاف هذه اللقاءات حتى تبتدأ الدراسة إن شاء الله تعالى.
في هذا اللقاء سنتكلم عن آخر سورة الانشقاق، وهو قوله تبارك وتعالى :
بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ :
لما ذكر سبحانه وتعالى أنهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون، بيَّن سبحانه وتعالى أن سبب تركهم السجود هو تكذيبهم بما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، لأن كل من كان إيمانه صادقا فلا بد أن يمتثل الأمر وأن يجتنب النهي، لأن الإيمان الصادق يحمل صاحبه على ذلك، ولا تجد شخصًا ينتهك المحارم أو يترك الواجبات إلا بسبب ضعف إيمانه، ولهذا كان الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو التصديق المستلزم للقبول والإذعان، فمتى رأيتَ الرجل يترك الواجبات أو بعضاً منها، أو يفعل المحرمات فاعلم أن إيمانه ضعيف، إذ لو كان إيمانه قوياً ما أضاع الواجبات ولا انتهك المحظورات، ولهذا قال هنا : بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ أي : في تركهم السجود كان ذلك بسبب تكذيبهم لما جاءت به الرسل .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ أي : أنه سبحانه وتعالى أعلم بما يوعونه أي : بما يجمعونه في صدورهم ، وما يجمعونه من أموالهم ، وما يجتمعون عليه من منابذة الرسل ومخالفة الرسل ، بل محاربة الرسل وقتالهم ، وأنتم تعلمون أن الكفار أعداء للرسل من حين بعث الله الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وأنهم يجمعون لهم ويكيدون لهم ، فتوعدهم الله تعالى في هذه الآية : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ أي : بما يجمعون من أقوال وأفعال وضغائن وعداوات وأموال ضد الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ثم قال تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ : أخبرهم بالعذاب الأليم الذي لا بد أن يكون ، والخطاب في قوله : فَبَشِّرْهُمْ عامٌّ للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولكل من يصح منه الخطاب، كل من يصح خطابه فإنه داخل في هذا وأن نبشر كل كافر بعذاب أليم، فنحن نبشر كل كافر بعذاب أليم ينتظره كما قال تعالى : وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ .
ثم قال : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ : إلاَّ هذه بمعنى: لكن، ولا تصح أن تكون استثناء متصلا لأن الذين آمنوا ليسوا من المكذبين في شيء، بل هم مؤمنون مصدقون، وهذا هو الاستثناء المنقطع، أي : إذا كان المستثنى ليس من جنس المستثنى منه فهو استثناء منقطع ، وتقدر إلا بلكن ، أي : لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون.
الذين آمنوا بقلوبهم واستلزم إيمانهم قيامهم بالعمل الصالح هؤلاء هم الذين ليس لهم عذاب ولا ينتظرون العذاب لهم أجر غير ممنون .
فإن قيل : ما هو العمل الصالح ؟
فالجواب : أن العمل الصالح ما جمع شيئين:
الأول : الإخلاص لله تعالى، بأن يكون الحامل على العمل هو الإخلاص لله عز وجل ابتغاء مرضاته ابتغاء ثوابه، ابتغاء النجاة من النار، لا يريد الإنسان بعمله شيئا من الدنيا، ولهذا قال العلماء : إن الأعمال التي لا تقع إلا عبادة لا يصح أخذ الأجرة عليها ، كالأذان مثلا فلا يصح أن تؤذن بأجرة، والإمامة لا يصح أن تؤم بأجرة، وقراءة القرآن لا يصح أن تقرأ بأجرة، بخلاف تعليم القرآن فيصح بالأجرة لأنه متعدي وتكون الأجرة على العمل لا على التلاوة، لكن أريد بقراءة القراءة، تلاوة القرآن، لو جاء إنسان قال : أريد أن أتلو القرآن بأجرة فإن ذلك لا يصح ولا يحل، لأن من شرط العمل الصالح أن يكون مخلصا لله عز وجل، ومن قرأ بأجرة أو تعبد بأجرة فإنه لم يخلص العمل لله فلا يكون عمله مقبولاً.
أما الشيء الثاني : فهو أن يكون متبعا فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أي : أن يتبع الإنسان رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في عمله فعلا لما فعل وتركا لما ترك، فما تركه النبي عليه الصلاة والسلام مع وجود سببه يترك، وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود سببه فالسنة فعله ، يعني: إذا وجد سبب الشيء في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم يفعله فإن السنة تركه.
ولهذا نقول: إن ما يفعله كثير من المسلمين اليوم، أو أكثر المسلمين اليوم من الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم الثاني عشر من هذا الشهر بدعة ليس لها أصل من السنة، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحتفل بعيد مولده ولا خلفاؤه الراشدون مع أننا نعلم علم اليقين أنه لو كان مشروعاً ما تركه النبي عليه الصلاة والسلام بلا بيان للأمة لأن عليه البلاغ، فلما لم يقل للأمة إنه يشرع الاحتفال بهذه المناسبة ولما لم يفعله هو بنفسه ولم يفعله خلفاؤه الراشدون، عُلِم أنه بدعة، وأنه لا يزيد فاعله من الله إلا بعدًا نسأل الله العافية .
وهذه البدعة حدثت أول ما حدثت في القرن الرابع، أي بعد مضي أكثر من ثلاثمائة سنة على الأمة الإسلامية حدثت هذه البدعة، زعموا أنهم يعظمون فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
والحقيقة أن كل بدعة ليس فيها تعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو في اتباع سنته كما قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، ولننظر هذه البدعة هل لها أصل من التاريخ ؟
هل لها أصل من الشرع ؟
نقول : ليس لها أصل من التاريخ ، وذلك أن مولد الرسول عليه الصلاة والسلام مختلف فيه على أكثر من خمسة أقوال، بعد الاتفاق على أنه في ربيع لكن مختلف في أول يوم في ثاني يوم في التاسع في العاشر في الثاني عشر فيه أقوال ، وقد رجح بعض علماء العصر الفلكيين أنه كان في اليوم التاسع وليس في اليوم الثاني عشر، فبطل من الناحية التاريخية أن يكون في اليوم الثاني عشر.
أما من الناحية الشرعية فهو باطل لوجوه :
الأول : أنه عبادة لم يشرعها الله ولا رسوله ولا الخلفاء الراشدون الذين أمرنا باتباع سنتهم.
فإن ادَّعى مدَّعٍ أن ذلك مشروع في القرآن أو السنة أو في عمل الخلفاء الراشدين أو الصحابة فعليه الدليل، لأن البينة على المدعي ولن يستطيع إلى ذلك سبيلا، أي : لن يستطيع سبيلا إلى أن يأتي بدليل واحد من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين أو الصحابة على أنه يُسن الاحتفال بيوم ميلاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
ثانيًا : أن نقول : هذه البدعة إما أن تكون حقا أو تكون باطلا، فإن كانت حقا لزم من ذلك أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم إما جاهلا بالحق وإما عالما به وكاتما له، وكلا الأمرين باطل، يمتنع غاية الامتناع أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم جاهلا بشيء من شريعة الله، أو أن يكون عالما به ولكن لم يبينه للأمة، لأن الاحتمال الأول يقتضي أن يكون جاهلا بالشرع مع أنه هو صاحب الشرع، والاحتمال الثاني يقتضي أن يكون كاتما ما أنزل الله إليه وحاشاه من ذلك.
لو كان كاتما ما أنزل الله إليه لكتم قول الله تعالى : وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ .
ثالثًا : أن نقول : إذا تبين أنها بدعة، فإنه لا يحل لأحد أن يقيمها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، ولو اتبع الحق أهواءهم وصار كل من عنّ له أن في هذا مشروعية شرعه لاختلفت الأمة، ولتمزق الدين، ولكان كل قوم لهم دين معين وهذا خلاف ما جاءت به الشريعة الإسلامية من وجوب الاتفاق على كلمة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم .
رابعًا : نقول : هذه البدعة لم تقتصر على مجرد الاجتماع والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر محاسنه وذكر مآثره وذكر شريعته، بل عُدل عن هذا إلى شيء آخر: إلى قصائد المديح البالغة في الغلو غايتَه، بل المتجاوزة لطبيعة البشر إلى حقوق الإله عز وجل، فقد كان هؤلاء الذين يجتمعون يترنمون بقصيدة البوصيري الذي كان يقول فيها يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول :
" يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العَمِمِ
إن لم تكن آخذا يوم المعاد يدي *** عفواً وإلا فقل يا زلة القدمِ
فإن من جودك الدنيا وضَرتها *** ومن علومك علم اللوح والقلمِ "
.
قال بعض العلماء : " إذا كان الأمر هكذا لم يبق لله شيء ، ولم يكن الله تعالى هو الملجأ عند الشدائد والفزع ، بل كان الرسول عليه الصلاة والسلام الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرًا إلا ما شاء الله هو الملجأ، وهذا غاية ما يكون من الغلو الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام ".
فصار هؤلاء الذين يدعون أنهم يتقربون إلى الله بمثل هذه الاحتفالات وأنهم هم المحبون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاروا في الحقيقة هم الذين يبتعدون عن الله عز وجل بما أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا، ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يرضى بمثل هذا أبداً.
فإذا قالوا : إن منشأ هذا هو محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أجل أن نبين للنصارى أننا نعتني برسولنا كما كانوا يعتنون برسولهم فيجعلون من ميلاده عيدًا!
قلنا : إذا كنتم صادقين في محبة الله ورسوله فهنا ميزان قسط عادل هو قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ، ولهذا كلما كان الإنسان أشد حباً لله كان أشدَّ اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلما كان أقلَّ حباً لله كان أقلَّ اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا رأيت الرجل يدعي محبة الله ورسوله ولكنه لا يلتزم بالشريعة فاعلم أنه كاذب لأن محبة الله ورسوله تنتج إنتاجا لازما اتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
فالحاصل أنه يجب على طلبة العلم هنا في هذه السعودية وفي غيرها من البلاد الإسلامية أن يبينوا للعامة ولغير العامة أن هذا الاحتفال ليس له أصل من السنة وأنه بدعة، وأنه لا يزيد الإنسان إلا بعدًا من الله عز وجل، لأنه شرع في دين الله ما ليس منه.
فإن قال قائل : أليست الصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام مشروعة كل وقت ؟
فالجواب : بلى، أكثر من الصلاة على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعظم الله لكم بها أجرًا، ومن صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا ، لكن ترتيبها في ليلة معينة والاجتماع إليها وذكر المدائح والقصائد الغالية البالغة في الغلو غايته هذا هو الممنوع ، ونحن لا نقول : لا تصلوا على الرسول، نقول : أكثروا من الصلاة، ولا نقول : لا تحبوا الرسول، لكن نقول : أحبوا الرسول أكثر مما تحبون أنفسكم ولا يتم إيمانكم إلا بذلك، ولكن لا تحدِثوا في دينه ما ليس منه.
فالواجب على طلبة العلم أن يبينوا للناس وأن يقولوا لهم : اشتغلوا بالعبادات الشرعية الصحيحة ، اذكروا الله صلوا على النبي في كل وقت أقيموا الصلاة آتوا الزكاة أحسنوا إلى المسلمين في كل وقت.
أما أن تجعلوا عيدا معينا في السنة والله تعالى لم يجعل في السنة إلا ثلاثة أعياد فقط عيد الأضحى وعيد الفطر وعيد الأسبوع وهو الجمعة، أما أن تحدثوا أعياداً أخرى فإنكم تحدثون في دين الله ما لم يشرعه.
ثم قال الله تبارك وتعالى: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ :
لهم أجر أي : ثواب.
غير ممنون أي : غير مقطوع، بل هو مستمر أبد الآبدين، والآيات في تأبيد الجنة كثيرة معلومة في الكتاب والسنة ، وليست من الصعوبة بحيث نسوقها إليكم الآن لأنها واضحة ولله الحمد، فأجر الآخرة لا ينقطع أبدا، ليس كالدنيا فيه وقت تثمر الأشجار ووقت لا تثمر، أو وقت تنبت الأرض ووقت لا تنبت، لا، الأجر فيها دائم: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً .
نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين العاملين بالصالحات المجتنبين للسيئات إنه جواد كريم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وأكرر عند ابتداء الأسئلة أنه سيكون إيقاف هذا اللقاء حتى تبدأ الدراسة إن شاء الله تعالى، والآن إلى الأسئلة.

Webiste