تم نسخ النص تم نسخ الرابط
الفتاوى – الصفحة الرئيسية فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
العالم
طريقة البحث

ما حكم الاقتصار على بناء المسجد على الطين والجريد لأن هذا هو فعل النبي عليه السلام وفعل أبي بكر وعمر ؟

الشيخ محمد ناصر الالباني

السائل : شيخ ، في مسألة بخصوص بناء المسجد .

الشيخ : بخصوص إيش ؟

السائل : بناء المساجد !

الشيخ : آ .

السائل : هناك جماعة أرادوا بناء مسجد في قرية ، فقالوا : نبني المسجد بالطين وجذوع النخل ويسقفوه بالجريد ، وقالوا : لن نحيد عن هذا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنى مسجده بهذه الطريقة ، وجاء مِن بعده أبو بكر -رضي الله عنه- وعمر ، وزادوا في المسجد ولم يحيدوا عن طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا ، وعندما جاء عثمان بعدهم بدل في البناء ، فأضاف الحجارة وأضاف أشياء أخرى ، فيقولون : هذا هو السنة في بناء المسجد ، ولا يريدون أن يحيدوا عن هذه الطريقة في البناء ، فما أدري ما جوابك عليهم ؟ ويستدلون كذلك بآثار صحيحة ذكرتها : منها أن الصحابة -رضي الله عنهم- عرضوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعطوه أموالا ليحسن المسجد ، فقال : لا إنما هو عريش كعريش موسى ، وأبى يعني إلا أن يجعله بهذه الصورة ، وكانت عنده إمكانية بأن يجعله بأفضل مما كان ، ولم يجعله إلا بهذه الصورة ؟!

الشيخ : ورفع بنائها ، لكن هذا لا يعني أن الأمر يقف عند الشكلية التي حكيتها عن أولئك الناس الذين تمسكوا بطريقة بناء الرسول - عليه الصلاة والسلام - لمسجده ، أي : على جذوع النخيل مثلًا ، والسقف من أغصان النخيل ونحو ذلك ، لأن هذا الأمر الواقع الذي وقع من الرسول - عليه السلام - هو أمرٌ عادي ، وليس هناك ما يدل من قوله - عليه الصلاة والسلام - أن هذا الفعل الذي وقع هو الذي يجب التزامه ، يجب التزامه ولا يجوز الحَيدة عنه ، لا يوجد في كلام الرسول - عليه السلام - مثل هذا التضييق ، يوجد في كلام الرسول : بل عريش كعريش موسى ، يوجد في كلام الرسول : لا تقوم الساعة حتَّى يتباهى الناس في المساجد ، ويقول لابن عباس : لَتزخرفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى ، يوجد في كلام الرسول - عليه السلام - مِن مثل هذه الأحاديث التي تنهى عن زخرفة المساجد والمباهاة في بنيانها ، لكن لا يوجد أي كلمة تلزم المسلمين إذا أرادوا أن يبنوا المساجد بالطريقة التي بنى فيها مسجده الأول . انظر الآن : التزام هذه الطريقة أن الرسول - عليه السلام - لما بنى مسجده جاء إلى حائط ، إلى بستان لبعض الغلمان من الأنصار ، وقال لهم : ثامنوني حائطكم ؟ - يعني : خذوا منِّي الثمن - قالوا : يا رسول الله ، هو لله ، الشاهد : وكان هناك قبور للمشركين ، فنبشها - عليه السلام - وأزالها ، وكان هناك جذوع من النخيل فقطعها ، وجعلها أعمدةً للمسجد ، إلخ ، الجمود على هذه الصورة يعني : يجب أن تشتري أرضًا يكون فيها قبور ، هذا معنى جمود ، ثم تنبشها وتزيلها ، ويجب أن يكون فيها نخيل ، ولا يجوز أن تشتري أرضًا عراء وتأتي أنت بالنخيل مثلًا ، أعمدة ، بالجذوع من النخيل ! هذا ما يقوله إنسان عنده شيء من الفقه في الإسلام أبدًا ، أنا أعتقد أن هؤلاء بعد ما صاروا طلاب علم ، فضلًا أن يكونوا من أهل العلم الذين يشهد لهم أهل العلم بالفضل والعلم ، وهذه آفة العصر الحاضر ، بل آفة الشاب المسلم في العصر الحاضر ، وأنهم بمجرد أن يشعروا بأنهم عرفوا شيئًا من العلم لم يكونوا من قبل على علم به رفعوا رؤوسهم ، وظنوا أنهم أحاطوا بكل شيء علما ، فتسلط عليهم الغرور والعُجب ، ونخشى أن يشملهم قول الرسول - عليه السلام - : ثلاث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متَّبع ، وإعجاب كلِّ ذي رأيٍ برأيه ، هذا أوَّلًا ، ثانيًا : هؤلاء يجهلون ولا أقول : يتجاهلون لأنهم من أهل الجهل ، متى نقول عن الشخص يتجاهل ؟ إذا كان من أهل العلم ، فهو لهوى في نفسه يتجاهل ، هؤلاء ليسوا من أهل العلم .
حينما عثمان جاء بالخشب بدل النخيل ، وهو خشب الصَّاج كما جاء في الحديث أيضًا ، ما كان موقف الصحابة تجاهه ؟! هل أنكروا ذلك عليه ؟! أم كان أمرًا أقرُّوه عليه ، وما أحد أنكره عليه ؟! فيما علمت أنا وما أظن أن أولئك علموا : أنَّ أحدًا من الصحابة أنكر عليه فعلته هذه ، ثمَّ نفترض أنه قد وجد من أنكر ، ما وزن هذا الإنكار أهو التحريم أم هو مخالفة الأفضل ؟ لا شك أن المسائل الفقهية يجب أن توزن بميزان دقيق جدًّا ، فلا نحرم ما كان مكروها ، ولا نكره ما كان مباحا ، إلخ ، وأنا أخشى ما أخشى على هؤلاء أن يعودوا بنا إلى أن يفرضوا على المسلمين عدم التمتُّع - لعلي أكون غير دقيق في التعبير - أقول : لعل هؤلاء يعودون بنا إلى أن نقول : لا يجوز التمتُّع بما خلق الله للمسلمين من وسائل الركوب التي لا يعرفها الأولون ، ويوجبون علينا أن نعود إلى ركوب الإبل والجمال والحمير والبغال والخيول ، وندع هذه الوسائل التي خلقها الله وأشار إليها بمثل قوله - تعالى - : وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ، أخشى ما أخشى أن نصل إلى هنا .