تم نسخ النص تم نسخ الرابط
الفتاوى – الصفحة الرئيسية فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
العالم
طريقة البحث

ما رأي فضيلتكم فيمن يرى أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد جعل الأحاديث الحسنة وكثيرًا من الأخبار الضعيفة مكذوبة ، وادَّعى الاتفاق على أنها موضوعة ؟

الشيخ محمد ناصر الالباني

السائل : يقول : ما رأي فضيلتكم فيمن يرى أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد جعل الأحاديث الحسنة وكثيرًا من الأخبار الضعيفة مكذوبة ، وادَّعى الاتفاق على وضع أحاديث الاتفاق على أنها ضعيفة .

الشيخ : شو ؟

السائل : وادَّعى الاتفاق على وضع أحاديث الاتفاق ... وادَّعى الاتفاق على وضع أحاديث الاتفاق عليها أنها ضعيفة ، وادَّعى الاتفاق على وضع أحاديث مختلفة في وضعها ؟

الشيخ : هذا كلام صحيح ؛ أي : أنَّ ابن تيمية - رحمه الله - أحيانًا يحكم بوضع بعض الأحاديث وهي من حيث إسنادها لا تصل الى الحكم عليها بالوضع ، فقد سبقَه إلى أكثر من ذلك أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه " الموضوعات " ، ولكن هنا شيء يجب أن يُلاحظه طلَّاب العلم ، أو الذين يُشغلون أنفسهم بقراءة علم الحديث اصطلاحًا وجرحًا وتعديلًا ؛ الحديث في الغالب يُحكم عليه بالوضع من حيث إسناده ؛ فإذا كان فيه رجل كذَّاب وضَّاع قيل : هذا حديث موضوع ، ولو كان معناه جميلًا ، وعلى العكس من ذلك ؛ يُقال في بعض الأحاديث التي أسانيدها لا تنزل بها إلى مرتبة الوضع كما جاء في السؤال وإنما يبقى الحديث في مرتبة الضعف ؛ لأن السند ليس فيه ما يُحكم أو ما يقتضي أن يُحكم على الحديث بالوضع ، فيه رجل ضعيف ، فيه رجل له مناكير ، وهذا وذاك يلزم منه أن يكون الحديث موضوعًا =
-- وعليكم السلام --
= لكن بعض الحفَّاظ النُّقَّاد في كثير من الأحيان ينظرون الى متن الحديث تلاوة عن نظرهم إلى سند الحديث ؛ في هذه الحالة يبدو لهم أنَّ متن الحديث موضوع ، فيقول : هذا حديث موضوع ، لا يعني أن إسناده موضوع كما جاء في السؤال ، السائل يُوهم هذه القضية وليس كذلك ، فابن تيمية إذا حكم أحيانًا على حديث إسناده ضعيف إنه موضوع ؛ فإنما يعني ذلك من حيث المتن وليس من حيث السند ؛ مثلًا حديث : من وسَّع على عياله يوم عاشوراء وسَّع الله عليه سائر سنته ، هذا الحديث في الحقيقة لا يمكن الحكم عليه بالوضع من حيث إسناده ؛ لأنُّو ما في إسناده كذَّاب أو وضَّاع ، لكن ابن تيمية وغيره حكموا عليه بأنه موضوع ؛ لأنهم نظروا في الأحاديث التي جاءت عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في فضل هذا اليوم بخاصَّة وهي صحيحة ؛ لم يجد في تلك الأحاديث الصحيحة ذكرًا لفضيلة التوسعة على العيال يوم عاشوراء ، إنه يلاحظ أنه قد وقع في التاريخ السابق أن الحسين - رضي الله عنه - قُتل يوم عاشوراء ، ولم يكن معروفًا قبل ذلك أنه من السنة - المستحبَّة على الأقل - أن يوسِّع الرجل على عياله يوم عاشوراء ، ومعروف من تاريخ بعض غلاة بني أمية أنهم كانوا يتظاهرون بالعداء الشَّديد لأهل البيت ، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب ، فيذهب ابن تيمية - رحمه الله - أن هذا الحديث من وَضْعِ الناصبة ؛ أي : الذين كانوا يبغضون عليًّا ، فيقول : هذا الحديث باطل ، أو يقول : هذا حديث موضوع ، فيُشكل على بعض القاصرين في نظرهم ينظر في السند فلا يجد فيه ما يقتضي الحكم على الحديث بالوَضْعِ وهو صادق ، لكنَّه لم ينظر إلى وجهة نظر ابن تيمية في حكمه على هذا الحديث بالوضع ، وهو أنه نظر إلى معنى الحديث ولم يقف فقط عند إسناده الضعيف .
وحينئذٍ هذا البحث وهذا التفصيل ينقلنا إلى نوع من الأحاديث التي تُعتبر من أقسام الأحاديث الضعيفة ، الحديث الشَّاذ وهو ما رواه الثقة مخالفًا فيه مَن هو أوثق منه أو ... منه .
نعم ؟
الشاهد : فما حكم هذه الزيادة الشَّاذة ؟ يا تُرى يمكن أن يقال فيها موضوعة ؟ الجواب : إذا كانت الزيادة في ذاتها مُنكرةً من ناحية الشرع يمكن من هذه الزاوية أن يُقال : إن هذه الزيادة موضوعة ، لكن السند لا يعطينا هذا الحكم ، إنما يعطينا أنها ضعيفة ، وهذا مرتبة الحديث الشَّاذ على القاعدة أن الحديث الشاذ ضعيف ، لكن إذا كانت الزيادة مُستنكرة من ناحية الشرع ؛ فيمكن أن يُقال حين ذاك أن هذه الزيادة التي هي ضعيفة من حيث النظر في السند موضوعة من حيث النظر في المتن .
مثلًا - هذا المثال من عندي - : وهو قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - كما رواه الشيخان في " صحيحيهما " من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : يدخل الجنَّة من أمَّتي سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذاب ، وجوههم كالقمر ليلة البدر ، ثم قال - عليه السلام - في قصَّة لسنا الآن بحاجة لذكرها بتمامها قال : هم الذين لا يسترقون ، ولا يكتوون ، ولا يتطيَّرون ، وعلى ربهم يتوكلون ، زاد مسلم في رواية دون صاحبه القاضي ... قال : هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ، لكن هذه الزيادة يرقون قال : هذه الزيادة شاذَّة ، والبحث في هذا طويل ، ولسنا بحاجة ، وقد نصَّ شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ببحث هذه الزيادة ، يعني زيادة الإسناد ، لكنَّنا حينما ننظر إليها من حيث معناها نجدها منكرةً أشدَّ الإنكار ؛ لأنها تُخالف أحاديث أخرى صحيحة ، إضافةً إلى مُخالفتها للثقات الذين رووا الحديث دونها .
من ذلك - مثلًا - من قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - حينما سُئل عن الرقى ؟ : من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل ؛ من استطاع منكم أن يرقي أخاه فليفعل ؛ إذًا كيف يقول أنه لا ينبغي أن يرقي المسلم أحدًا من المرضى حتى يكون من صفات السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب إلى آخر الحديث ، هذا وجهٌ من وجوه نكارة هذه الزيادة ، بل وبطلانها ، ويؤكِّد ذلك ما جاء في " صحيح البخاري " أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يرقي الحسن والحسين من العين ، ويقول : أُعيذكما بكلمات الله التامة من كلِّ شيطان وهامَّة ، ومن كل عين لامَّة ؛ إذًا رسول الله سيِّد البشر رقى ، كيف يصح أن يقول : هم الذين لا يرقون ، ورسول الله رقى ؟ كيف يصح أن يقول : هم الذين لا يرقون وحضَّ الناس جميعًا على أن يرقوا غيرهم ؟ إذًا هذه الزيادة باطلة ؛ مع أنُّو ما في الإسناد مُتَّهم بالكذب ولا بالوضع ، إذا عرفتم هذه الحقيقة هانَ أمر الظاهرة التي أشار إليها السائل في أن ابن تيمية يُخالف في كثير من الأحيان المعروف عند علماء الحديث ؛ أنَّ حديثًا ما إسناده ضعيف ، فيقول هو : حديث باطل ، إنما يعني ذلك من حيث السند ، لكني أقول : قد يكون ابن تيمية في بعض الأحيان قد أبعد النَّجعة حينما حَكَمَ على الحديث بالوضع من حيث متنه ، وهنا يُعتبر ابن تيمية أحيانًا من المتشدِّدين في الحكم على بعض الأحاديث بالوضع كابن الجوزي ، لكن إذا عرفتم مأخذه في ذلك وأنه لا يعني نظرته للسند حتى يُقال خالف العلم الذين اختصروا على قضية إسناد هذا الحديث ، كلُّ ما في الأمر أنُّو هو نظر من زاوية أخرى ، وقد يصيب وقد يخطئ ، هذه هي الحقيقة .
نعم .