تم نسخ النصتم نسخ العنوان
متى يُؤخذ بتوثيق ابن حبان مع الإحالة للمصادر ا... - الالبانيالسائل : يقول السائل : متى يُؤخذ بتوثيق ابن حبان مع الإحالة للمصادر الإسلامية التي تكلَّمت عن هذا الموضوع ؟الشيخ : هذا المشكل ، يظن السائل أن كل شيء تُك...
العالم
طريقة البحث
متى يُؤخذ بتوثيق ابن حبان مع الإحالة للمصادر الإسلامية ؟
الشيخ محمد ناصر الالباني
السائل : يقول السائل : متى يُؤخذ بتوثيق ابن حبان مع الإحالة للمصادر الإسلامية التي تكلَّمت عن هذا الموضوع ؟

الشيخ : هذا المشكل ، يظن السائل أن كل شيء تُكلِّم فيه ! ابن حبان له قاعدة معروفة وهي : أنه يُوثِّق المجهول ، يوثِّق من يقول فيه لا أعرفه ، وأحيانًا يقول : لا أعرفه ولا أعرف أباه ، كما كنت شرحت ذلك في رسالتي في الرد على " التعقب الحثيث " للشيخ عبد الله الحبشي الهرري ، فإن هذا الرجل لما جاء إلى دمشق فبدأ يكتب رسالة في الرد علينا ، وإذا به يعتمد في تصحيح بعض الأحاديث على توثيق ابن حبان ، فأوضحت خطأه في هذا المجال فيما نقلته عن الحافظ بن حجر العسقلاني ، في أول أو في مقدمة كتابه العظيم " لسان الميزان " ، وبما نقلته عن ابن عبد الهادي الحنبلي من تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية لكتابه " الصارم المنكي في الرد على السبكي " نقلت عن هذا وهذا أن ... في التوثيق ، وذكرت بعض النقول من كتاب " الثقات " المحفوظ عندنا في المكتبة الظاهرية قبل أن يطبع المجلد الأول والثاني منه ، لكن كما يقول العلماء : لكل قاعدة شواذ ؛ يعني يقولون - بعبارة أخرى - : ما من عام إلا وقد خُصَّ ، فابن حبان هذه هي القاعدة " ما تفرد بتوثيقه ؛ فهو مجهول " ، إلا إن جاء له متابع من العلماء المعروفين بالاعتدال في التوثيق ؛ فهذا له حكمه ... معروف ، لكن ابن حبان - أحيانًا - يوثِّق رجلًا روى عنه جماعة من الثقات ، وفي هذه الحالة ينقدح في نفس الباحث في نفس شخص معيَّن قضى حياته في هذا العلم بأنُّو هذا الراوي الذي روى عنه جمع من الثقات ، ولم يتبيَّن فيما رووا عنه شيء من النَّكرات في الروايات ، فنفس هذا الباحث تطمئنُّ إلى أن توثيق ابن حبان هنا له وزن ، هذا شيء لا يعرفه إلا من عانى هذا العلم ، نحن نجد في مثل الحافظ ابن رجب الحنبلي ، وكذلك الحافظ ابن كثير الدمشقي يوثِّقون بل يعتدُّون بتوثيق ابن حبان للتابعي الذي لم يرد عنه إلا راوٍ واحد ، نجدهما في كثير من الأحيان يحسِّنون إسناد هذا الحديث الذي فيه الراوي لم يروِ عنه إلا واحد ، ووثَّقه ابن حبان ، من أين أخذوه هذا ؟ مع أنُّو القاعدة معروفة ! يلاحظون شيئًا لا يلاحظه عامة العلماء ، فضلًا عن طلاب العلم ، فضلًا عن المتشبِّهين بهم ؛ يلاحظون أن التابعين لم يكن قد انتشر فيهم الكذب والافتراء على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وهذه حقيقة يعرفها الدارسون هذا العلم ، فكلما نزلت الطبقة كلما كثر المتَّهمون بالكذب والوضع ونحو ذلك ؛ فهذا له أسباب معروفة ، ثم يلاحظون شيئًا آخر أنَّ التابعين لهم نصيب وافر من الحفظ الذي كان الله - عز وجل - قد حبَاهُ أصحابَ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، وذلك لينقلوا لنا أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سمعوها ، فملاحظة هذا وذاك يلقي في نفوسهم حسن ذلك الحديث ، الشيء الزائد - أيضًا - يعرضون هذا الحديث على قواعد الشريعة ومبادئها ، فيجدونه يلتئم مع ذلك فتطمئنُّ نفوسهم ، فيقولون : هذا حديث حسن ، أو حسن الإسناد ، أو نحو ذلك .
أنا أقول هذا حكاية ، وإن كنت لم أكن أنشرح انشراحه لفعله ، ولكن إذا جاء الحديث من طريق راوٍ وثَّقه ابن حبان ، وذكروا لهم من الرواة الثقات جمع ، ثم هؤلاء مع روايتهم عن هذا الراوي لم يروِ أحد منهم عنه ما يُنتقد فيه ؛ فنفسي تطمئنُّ للاعتماد والاحتجاج برواية هذا الذي تفرَّد بتوثيقه ابن حبان ، ونحن نلحظ هنا ملاحظةً لا يجدها الإنسان بطبيعة الحال في الكتب التي سأل السائل لمن نرجع في هذه القضية ؟ لأنُّو هناك ملاحظات تنقدح في نفس الباحث دائمًا وأبدًا على مرِّ الأزمان ، فبعضهم يتسنَّى له تسجيلها ، والبعض لا ، الآن لو أردت أن نبحث موضوعًا علميًّا حديثيًّا محضًا ؛ كيف يحكم العلماء على أنَّ فلانًا من الرواة ثقة ؟ من أين عرفوا ؟ وكيف حكموا أنُّو فلان الراوي ثقة ، ويكون هو من الأشخاص الذين لم نسمع بأسمائهم وبذواتهم مطلقًا ، ليسوا كالرواة المشهورين من التابعين وغيرهم ، كيف ذلك ؟
الجواب لا تجده مسطورًا في أي كتاب من كتب المصطلح ، لكنك حينما تتعمق في دراسة هذا المصطلح ؛ وبخاصة في نقدهم للرجال توثيقًا وتجريحًا ؛ يتبيَّن لك أن طريقته في التوثيق إنما هي على سبيلين اثنين ، أو صورتين اثنتين :
الصورة الأولى : أن يكون الإمام الموثِّق معاصرًا للرجل المُوثَّق ، فهو صاحبه ، فهو تلميذه أو شيخه ، فيعرفه عن كثب وعن قرب ، فيشهد فيه ذاك بأنُّو فلان ثقة صادق حافظ ، هي الطريقة الأولى ، ولنسمِّها طريقة المعاشرة ، لمعاشرة الراوي أو الناقد أو الجارح أو الموثِّق يعرف الذي ينتقده بأنه عاشره أو الذي وثَّقه .
الطريقة الثانية : هي أن ينقد العلماء التوثيق عن أمثال هذا الراوي الأول ، الآن حينما نحن نقف أمام توثيق ابن حبان لراوٍ وليس أمامنا توثيق سواه ، لكن نجد أنُّو ليس هو من قبيل من لم يروِ عنه إلا واحد ، لكن نجده روى عنه جماعة ، وهؤلاء الرواة عنه ثقات ؛ حينئذٍ نحن الآن - بفضل طبعًا جهود الأئمة السابقين - نسلك نفس الطريق الذي سلكه الموثِّق الأول ، كيف وثَّق فلان ؟ لأنه رأى أحاديثه تُطابق أحاديث الثقات ؛ ليس فيها زيادة ، ليس فيها نقص ، ليس فيها أيُّ مغمز ممكن أن يعزِّز بالطعن في نفس هذا الراوي ، وبهذا الأسلوب لما يفكِّر أحدنا فيه يطمئن حينذاك بأن توثيق ابن حبان لهذا الراوي خاصَّة ليس له تلك المرتبة التي اعتدنا أن نصفَ من تفرَّد بتوثيق ابن حبان ، فهذه الدقائق في الواقع لا يلاحظها إلا أهل العلم والاختصاص ، ومن هنا يتبيَّن لكم شيء من معنى ذكره أهل الاصطلاح عن الإمام علي بن المديني ؛ أنه لما سُئل كيف تعرفون الحديث الصحيح من الضعيف ؟ فضرب مثلًا بالصَّرَّاف ؛ يأخذ الدرهم ، فينظر فيه نظرة فيعرفه إن كان صاغًا أو كان زائفًا ، لكن اعرضه على عامة الناس بيقلّك درهم أو بيقلّك دينار ، ما يميِّز بالصَّاغ السليم من الزايف ، وهكذا يقول إمام من أئمة الحديث وهو يحيى بن المديني ، أن الحديث يحتاج إلى علم مثل علم تمييز المغشوش من السليم من الدراهم والدنانير .
نعم .

السائل : جزاك الله خير .

Webiste